«الشؤون الإدارية للقضاء» يؤكد على السير بخطى ثابتة وواثقة نحو تحقيق قضاء عادل وناجز

إطلاق نظام المراسلات «مكتبي» لإدارة العمل الإداري رقمياً –

«عمان» تعد ملامح تطوير المنظومة القضائية رغم كونها منظومة راسخة الأركان وواضحة المعالم في السلطنة استمدادًا من إرثها التاريخي العريق، وذلك راجعٌ إلى أهمية دور هذه المنظومة في قياس تطور المجتمعات؛ فالقضاء رسالة مقدسة تحمل أمانة تحقيق العدل الذي يلعب دورًا أساسيًّا في استقرار الشعوب وقيام الحضارات، ومنذ فجر التاريخ ورسالة القضاء تأخذ مكانة عالية من اهتمام الشعوب؛ حيث كان تحقيق العدل منطلقًا لتأسيس الكثير من المبادئ والقيم والعادات، فحق اللجوء إلى قاض عادل كان ولا يزال مؤشرًا حقيقيًّا على احترام حريات الإنسان التي سعت كافة الأنظمة والدساتير في العالم إلى الحفاظ عليها، ولذلك فقد حظي القضاء في سلطنة عمان باهتمام القيادة الحكيمة في السلطنة ودعمها المستمر له، وقد برز هذا الاهتمام جليًّا لدى بداية النهضة المباركة حين تم إنشاء وزارة العدل ضمن أول تشكيل وزاري لتكون صاحبة الولاية العامة في النظام القضائي آنذاك، وذلك من خلال إشرافها وتنظيمها لعمل المحاكم الشرعية المنتشرة في غالب ولايات السلطنة آنذاك، وقد كان اختصاص تلك المحاكم يشمل نظر جميع الدعاوى المدنية ودعاوى الأحوال الشخصية، ويمكن اعتبار هذه المرحلة اللبنة الأساسية التي قام عليها التنظيم الحالي للمحاكم في السلطنة.
وشهد تنظيم القضاء العماني العديد من التغييرات الإيجابية والتي تماشت مع التطورات التنموية التي شهدتها البلاد، حيث تزامن التوسّع في إنشاء المحاكم واللجان المختصة مع إصدار التشريعات والقوانين الموضوعية والإجرائية التي تعتمد عليها تلك المحاكم واللجان؛ إذ إن التطورات التنموية التي شملت كافة مناحي الحياة في السلطنة أفرزت الحاجة إلى إصدار القوانين والتشريعات التي توّجت بصدور النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني رقم (101/96)، وكان هذا التتويج بدايةً لدخول سلطنة عمان مرحلة جديدة ومتقدمة من مراحل دولة المؤسسات والقانون فيما يتعلق بالقضاء خصوصًا، فقد عُني النظام الأساسي للدولة عناية خاصة بتنظيم القضاء فأفرد له بابًا خاصًّا وهو الباب السادس، وأكّد النظام الأساسي للدولة على سيادة القانون إذ نص في المادة (59) منه على أن: «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وشرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم ضمان للحقوق والحريات»، ونصّت المادة (60) منه على أن: «السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون»، كما نصّت المادة (62) منه على أن: «يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ويبين وظائفها واختصاصاتها»، ونتيجةً لهذا الدور الذي جعله النظام الأساسي للقضاء، ونظرًا لأهمية اتصال القواعد الدستورية في بالنظام الأساسي للدولة بالقوانين الموضوعية التي تضمن تحقيق أهدافه؛ فقد صدر- بموجب المرسوم السلطاني رقم (90/99)- قانون السلطة القضائية الذي أكّد على سيادة القضاء واستقلاليته ووحدة مرجعيته، حيث أسند مرجعية القضاء إلى وزارة العدل، وأوضح هيكلة المحاكم واختصاصها وترتيب درجات التقاضي فيها بدءًا بالمحاكم الابتدائية ومرورًا بمحاكم الاستئناف، وانتهاءً بالمحكمة العليا، وأُنشئ بموجب هذا القانون مجلسٌ للشؤون الإدارية يتولى كل ما يتعلق بتعيين وترقية القضاة، وبصدور هذا القانون اكتملت أهم مقومات تأسيس نظام قضائي متكامل.
واستمرت مسيرة التطوير التي تخدم هدف النظام الأساسي للدولة في تأسيس نظام قضائي مستقل، وتم تتويج هذا الهدف بصدور المرسوم السلطاني رقم (10/2012) بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء، حيث نصّ المرسوم على أن يمارس مجلس الشؤون الإدارية المنصوص عليه في قانون السلطة القضائية الاختصاصات المعقودة لوزارة العدل كما يمارس رئيس المجلس الاختصاصات والصلاحيات المعقودة لوزير العدل المنصوص عليها في القانون المذكور فيما عدا الاختصاصات المنصوص عليها في المادتين (78) و (99) منه، كما نص على نقل تبعية المحاكم والإدارة العامة للتفتيش القضائي والإدارة العامة للمحاكم وموظفيها والاعتمادات المالية المقررة لها من وزارة العدل إلى مجلس الشؤون الإدارية، ثم صدر لاحقًا المرسوم السلطاني رقم (54/2012) بشأن إنشاء أمانة عامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء واعتماد هيكلها التنظيمي؛ حيث تم تشكيل هيكل المجلس الذي أصبح يتكوّن من رئيس وأمين عام تتبعهما ست إدارات هدفها دعم مسيرة القضاء.
وتتكون هذه الإدارات التي اشتمل عليها هيكل المجلس من «الإدارة العامة للمحاكم» التي تتولى كل ما يتعلق بالأمور التنظيمية للمحاكم من كادر وظيفي ومتطلبات تعينها على أداء واجباتها مثل الاحتياجات المكتبية والاحتياجات الفنية، وكذلك «الإدارة العامة للتفتيش القضائي» التي تعد ركيزة أساسية في دعم استقلالية القضاء وضمان تحقيق العدالة وذلك من خلال قيامها بأعمال التفتيش القضائي بشقيه التفتيش الفني على أعمال أصحاب الفضيلة القضاة والتفتيش المستمر على أعمال المحاكم إضافة إلى الإشراف على المفتشين القضائيين، وقد تفرد الهيكل التنظيمي للمجلس بإنشاء إدارة عامة لشؤون التنفيذ وذلك إيماناً من المجلس بأن أهمية الأحكام القضائية تكمن في سرعة تنفيذها؛ إذ لا خير في عدل لا نفاذ له، وتعمل الإدارة العامة للتنفيذ على الإشراف الإداري على أقسام التنفيذ من خلال مراجعة احتياجاتها من الكادر الوظيفي والأدوات بالإضافة إلى تلقي الشكاوى المتعلقة بسير عملية تنفيذ الأحكام لضمان جودتها، كما تضمّن هيكل المجلس إنشاء إدارة عامة لشؤون القضاة تعنى بكل ما يتعلق بالقضاة من شؤونهم الوظيفية وتدريبهم والعمل على الرقي بهم، إضافةً إلى إدارة عامة للتخطيط تتولى إعداد خطط المجلس وتوفير الإحصاءات والدراسات اللازمة لعمليات التطوير، مع العمل على الأنظمة الرقمية التي تخدم المتقاضين وجهات التقاضي، كما يحتوي الهيكل على إدارة سادسة تتمثل في الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية.
ومن المبادئ التي قامت عليها المنظومة القضائية في السلطنة مبدأ تقريب المؤسسات القضائية من المتقاضين وتسهيل وصول المتقاضين إلى حقوقهم، ومبدأ تحقيق قضاء عادل وناجز يسعى إلى سرعة الفصل في الدعاوى دون الإخلال بالعدالة ومقتضياتها، وقد تجلّت هذه المبادئ في التغييرات التي شهدتها المنظومة القضائية في السلطنة خلال الخمسين عامًا التي مضت من عمر النهضة المباركة؛ إذ وصل عدد محاكم السلطنة حتى الآن إلى تسع وخمسين محكمة، منها خمسٌ وأربعون محكمة ابتدائية وثلاث عشرة محكمة استئناف إلى جانب المحكمة العليا، كما شملت سياسة تقريب المؤسسات القضائية إنشاء وافتتاح مجمعات المحاكم لتكون صروحاً للعدالة تجمع بين أصالة الماضي التليد وعبق الحاضر المجيد، إذ كانت البداية بافتتاح مجمعي المحاكم في كل من عبري وإبراء وذلك عام 2007م، ثم تبع ذلك افتتاح مجمع المحاكم في مسقط في عام 2015م، ثم توالى افتتاح المجمعات في كل من صحار والرستاق ونزوى والبريمي، وقد توّجت جهود تطوير البنية التحتية بافتتاح مبنى المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء في الخامس والعشرين من مايو 2016م، حيث تميّز هذا الصرح الجديد بفن عمارته المتفرد في الجمع بين أصالة الماضي وأناقة الحاضر، مع وجود أربع قاعات للنطق بالأحكام صدرت بشأنها توجيهات سامية من لدن المغفور له- بإذن الله- السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور- طيب الله ثراه- تمثلت في أن تحمل القاعات أسماء مسقط ونزوى وصحار وصلالة، وقد زوّدت منصات القاعات بالحواسيب والشاشات وكافة التجهيزات الرقمية المرتبطة مباشرة بمرافق المبنى، إلى جانب إمكانية ربطها شبكيًّا في بث مباشر مع المعهد العالي للقضاء ليتاح لقضاة المستقبل الدارسين في المعهد الاطلاع المباشر على عمل المحكمة، كما توجد في المبنى قاعات للاجتماعات وقاعتان للندوات ومكتبة تستوعب أكثر من عشرة آلاف كتاب.
وبرزت سياسات تقريب المؤسسات من المتقاضين وسرعة البت في الدعاوى في تبني سياسة التحول الرقمي الشاملة سواءً في العمل القضائي أم العمل الإداري، حيث انطلقت سياسات الرقمنة من تطوير البنية الأساسية، حيث راعى المجلس متطلبات التقنية الحديثة في تصميم مجمعات المحاكم ومبنى المحكمة العليا، كما أطلق المجلس العديد من البرامج الرقمية ابتداءً من برنامج إدارة القضايا الذي طبق في كافة المحاكم لإدارة ملف الدعوى منذ تسجيله لدى المحكمة إلى إغلاق ملف التنفيذ، وحتى تتمكن المحكمة من التعامل الشبكي مع الدعاوى فقد تم إطلاق بوابة المحامين الرقمية التي تسمح بتسجيل القضايا من شركات ومكاتب المحاماة وإضافة المستندات واستلام الإعلانات إلى جانب فتح ملفات التنفيذ والاستئناف ودفع الرسوم إضافة إلى تفعيل برنامج التنفيذ بهدف ضمان سرعة تنفيذ الأحكام ورفع كفاءة وجودة عملية تنفيذ الأحكام والتي تضمنت الربط مع عدد من المؤسسات بهدف تسريع الإجراءات، أما في مجال العمل الإداري فقد تم إطلاق نظام المراسلات «مكتبي» الذي يعمل على إدارة العمل الإداري رقمياً بين مختلف إدارات المجلس والمحاكم في مختلف محافظات السلطنة.
إن مجلس الشؤون الإدارية للقضاء وفي ظل النهضة المتجددة بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق- حفظه الله ورعاه- يؤكد السير بخطى ثابتة وواثقة نحو تحقيق قضاء عادل وناجز في ظل الاهتمام السامي لجلالته- حفظه الله ورعاه- بالمنظومة القضائية، مؤكدًا على أهمية الدور الذي يقوم به القضاء في تحقيق رؤية عمان 2040م والسير بالسلطنة نحو مستقبل أفضل من خلال ضمان وصول المتقاضين إلى حقوقهم بما يحفظ أمن المجتمع وسلامته.