مرفأ قراءة.. «تطور الرواية العربية» البحث المرجعي الأول

إيهاب الملاح –

-1-

لسنوات طويلة وأنا منشغل بفكرة البحث المرجعي الأول في الثقافة العربية في مجالات معرفية عدة، وبحكم التخصص والممارسة والكتابة، فإن مجال النقد الأدبي والثقافي وعلم تحليل الخطاب من بين الفروع المعرفية التي لها نصيب الأسد من حيث القراءة أو الكتابة.
أذكر أنني في فترة مبكرة قررت إجراء حصر بالكتب العشرة النقدية الأهم في الثقافة العربية خلال القرن العشرين، وكان المعيار العام هو تأسيسية هذه الكتب ومرجعيتها من ناحية، ومن ناحية أخرى (هو) الدور الذي لعبته هذه الكتب في إحداث هزة (أو فلنقل صدمة) في المجال النقدي والثقافي العام، بحيث يمكن أن نؤرخ بصدور هذا الكتاب أو ذاك لمرحلة جديدة في الفكر النقدي والثقافي العام، أو يمكن اعتباره حدا فاصلا بين مرحلتين مختلفتين في الرؤية والتأسيس المعرفي والفلسفي والفني للعالم والإنسان والطبيعة.
لنضرب مثالًا، كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، وبعيدًا عن الضجة والصخب اللذين أثارهما المتجمدون فكريًا والمتزمتون ضده، أحدث الكتاب ثورة نقدية حقيقية، بحيث يمكن القول إن دراسة تاريخ الأدب العربي وتحليل نصوصه كانا شيئا قبله، وصارا شيئا آخر بعده!
الأمر ذاته ينطبق على كتاب العقاد والمازني الشهير «الديوان في الأدب والنقد» (ومعه كتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة)، فقد كان ظهور هذين الكتابين تدشينا مدويا لتيار النقد الرومانطيقي، في تجليه الأنجلو ساكسوني، مستندا في جذوره المعرفية والفلسفية إلى نظرية التعبير الرومانطيقية.
وكذلك كان ظهور كتاب «في الثقافة المصرية» لمحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس إعلانا عن انقطاع جذري عن تيار النقد الرومانطيقي وتدشين مفاهيم الواقعية الاشتراكية ونظرية الانعكاس في النقد الأدبي.. إلخ (وقد تناولته بشيء من التفصيل في مقال سابق من مقالات مرفأ قراءة).

-2-

في تاريخ الرواية العربية ثمة كتابان لا يمكن إغفالهما أو إغفال دورهما في تأسيس ما نستطيع أن نصفه بـ«نقد روائي» منضبط ومتماسك ومعالجة تحليلية للنصوص الروائية العربية الأولى، وفي وضع نموذج معتبر لتأريخ وتصنيف النصوص الروائية الأولى في الأدب العربي، هذان الكتابان هما، «دراسات في الرواية المصرية» للناقد الراحل الكبير علي الراعي (وقد تعرضت له في مقال سابق أيضا)، والآخر هو حديث وموضوع هذا المقال، وهو الكتاب العمدة «تطور الرواية العربية الحديثة في مصر (1863-1936)» للناقد والأكاديمي الراحل عبدالمحسن طه بدر، أحد مؤسسي النقد الروائي المعاصر في جامعاتنا المصرية والعربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ما جعلني استدعي الكتاب وصاحبه سببان، الأول هو مراجعتي للكتب العشرة التأسيسية في النقد الأدبي في ثقافتنا العربية، والثاني أنني كنت قرأت مقالًا للخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبدالعزيز في جريدة (الوطن)، أتى فيه على ذكر الدكتور المرحوم عبدالمحسن طه بدر الناقد الكبير ومؤرخ الرواية البارز والأستاذ الجامعي والأكاديمي الذي ما زالت سيرته العطرة يرددها تلاميذه، وتلاميذ تلاميذه حتى الآن.. واصفا إياه بـ«أستاذي الدكتور عبدالمحسن طه بدر»، رغم تخرجه في كلية الإعلام وليس في كلية الآداب بأحد أقسام الأدب التي كان يدرس فيها المرحوم عبدالمحسن بدر.
ذكرني المقال بما كنت أسمعه عن الدكتور عبدالمحسن من أساتذتنا في الجامعة منذ السنة الأولى لدراستنا في قسم اللغة العربية وآدابها وحتى تخرجنا قبل ما يقرب من عشرين عاما!

-3-

أول من حدثنا عنه كان تلميذه الأهم الناقد والأكاديمي الراحل الدكتور سيد البحراوي، وكذلك الدكتور جابر عصفور الذي لم يكن يملّ أبدًا من تذكيرنا بأن كل من يتطلع إلى دراسة الأدب الحديث والأنواع الأدبية الحديثة، الرواية والقصة والشعر الحديث لا بد أن يتوقف عند أطروحتي المرحوم عبدالمحسن بدر، «التطور والتجديد في الشعر المصري الحديث»، ثم «تطور الرواية العربية الحديثة في مصر».
وشهرة الأطروحة الثانية طبقت الآفاق وجاوزت حدود انتشارها في مصر إلى العالم العربي كله والجامعات والكليات والأقسام المعنية بدراسة الرواية العربية الحديثة ونشأتها.. كانت رسالة دكتوراه تأسيسية كما يقول الكتاب، فيها تطبيق بارع ومخلص للمنهج التاريخي التحليلي الذي يقوم بتأطير تاريخي ومسح اجتماعي واسع للظاهرة التي يتناولها (الرواية الفنية هنا)، وهو صاحب أول تصنيف نوعي موضوعي للنصوص الروائية في مصر منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى ما قبل منتصف القرن العشرين تقريبا (تصنيف الرواية التعليمية، ورواية التسلية والترفيه.. والرواية التاريخية باتجاهيها استلهام التاريخ الفرعوني القديم واستلهام التاريخ الإسلامي الوسيط، والرواية الفنية بشقيها الواقعي والرومانسي.. إلخ).
بحسب خيري دومة، يرصد بدقة أنه في كتاب «تطور الرواية» حلت وربما لأول مرة كلمة «الواقع» تمامًا محل كلمة «الحياة» التي كانت سائدة في كتاب «تطور الشعر»، وهو أمر يرتبط بصعود المد القومي الناصري وما صاحبه من صعود دعوة الواقعية في الخمسينيات، لكنه يرتبط كذلك بطبيعة النوع الروائي ونشأته وتقاليده، كما عرفها عبدالمحسن عند النقاد الإنجليز، وخاصة إيان واط وأرنولد كيتل، وهما الناقدان اللذان استند إليهما في دراسة الرواية الفنية وعوامل ظهورها، فالرواية عند كيتل، هي «نثر روائي واقعي كامل في ذاته وله طول معين»، وأهم ما يميز الرواية عند واط هو هذه «النظرة الواقعية».
ويستخلص عبدالمحسن بدر من هذا أن «الأسس التي تفرق بين الرواية الفنية وبين غيرها من الأشكال الفنية التي سبقتها، تنحصر في أن الرواية الفنية تتجه إلى الواقع، في الوقت الذي تتجه فيه الأشكال الأخرى إلى خلق عالم قائم على الوهم والإسراف في الخيال». إن ما يميز «الرواية الفنية» عما أسماه هو «رواية التسلية والترفيه» (المقابل العربي للرومانس) هو هذا «الحس الواقعي» أو «محاولة الارتباط بواقع المجتمع».
فتحت هذه الدراسة الباب على مصراعيه لإنجاز دراسات أخرى في أقطار متفرقة من عالمنا العربي تحتذي المنهج ذاته وتطبقه، وتحاول أن تدرس الرواية ونشأتها وتصنف أنواعها في العراق والشام والخليج والمغرب وليبيا.. إلخ. وخلال العشرين عاما التي تلت ظهور الكتاب في طبعته الأولى عام 1963 ظهرت كتب كثيرة حملت العنوان العريض ذاته مع تغيير البيئة المكانية محل الدراسة، «تطور الرواية العربية الحديثة في الشام»، «تطور الرواية العربية الحديثة في العراق»، و«تطور الرواية العربية الحديثة في المغرب».. إلخ.

-4-

لم أرَ عبدالمحسن بدر ولم أتتلمذ على يديه، فقد توفي قبل دخولي الكلية بسنوات، لكن حضوره كان عارمًا على كل المستويات، الحكايا عن صرامته ومواقفه التي لا تقبل أنصاف الحلول، استقامته ونزاهته التي كانت مضرب الأمثال، علاقته بتلاميذه وإيمانه الكبير بأعمالهم.. كانت سيرته تتردد دونما انقطاع وحضوره كالشمس لا يغيب، ما من مادة معتبرة أو أستاذ حقيقي ومؤثر إلا أتى على ذكر عبدالمحسن بدر: عبدالمنعم تليمة، جابر عصفور، سيد البحراوي، نصر أبو زيد، خيري دومة، حسين حمودة، وآخرون…
وللأمانة وبعد أن قرأت كتب الرجل (التي ربما صارت الآن كلاسيكية أكثر مما ينبغي) فإنني احترمتُ هذا الأستاذ الذي كان يبذل مجهودًا كبيرًا وحقيقيًا في قراءة النصوص وتحليلها وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول بعض آرائه النقدية هنا أو أحكامه النقدية هناك فلا تملك إلا أن تقدره وتحترم جهده وتشهد له بالإخلاص والدأب والبحث الأكاديمي الدقيق.. وستظل كتب عبدالمحسن بدر كتبا مرجعية لا يستغني عنها طالب علم أو باحث دؤوب أو قارئ محترف للنقد أو تاريخ الرواية حتى وقتنا هذا… رحم الله أستاذنا القدير.. (وللحديث بقية).