رحلة الشتاء والصيف.. عشيرة تركية من الهضاب إلى السهول

مانيسا (تركيا)، الأناضول: بدأت عشيرة «قره كجيلي» التركية رحلة الشتاء والصيف، مع بدء موسم الهجرة من المصايف في الهضاب حول جبل «أكريكوز» بولاية كوتاهية (شمال غرب) إلى المشاتي في سهول ولاية مانيسا الأكثر دفئا غربي تركيا.
ويعتبر الترحال خلال فصلي الشتاء والصيف أسلوب حياة للعشائر المتنقلة التي تمتهن الرعي من أجل توفير المراعي والجو المناسبين للمواشي، التي تشكل مصدر رزقها. بالنسبة إلى عشيرة «قره كجيلي»، يمثل الترحال دورة حياة تستمر في الجبال المرتفعة صيفا، وبالمناطق الأكثر دفئا نسبيا شتاء، وتقطع العشيرة مئات الكيلومترات في كل موسم هجرة بين المصيف والمشتى.
ومع بدء تدني درجات الحرارة في الهضاب حول جبل «أكريكوز» في كوتاهية، التي تشكل المصيف لـ «قره كجيلي»، يشرع أبناء العشيرة في الرحيل إلى المناطق السهلية الأكثر دفئا غربي البلاد.
وتنتسب عشيرة «قره كجيلي» (تركمان اليوروك) إلى «قايي»، إحدى القبائل التركمانية الـ24 التي استوطنت الأناضول، عقب انتصار الدولة السلجوقية على الإمبراطورية البيزنطية في معركة «ملاذكرد» (1071)، وأسست الدولة العثمانية (1299 ـ 1923).
بعد وفاة زعيم «قايي» سليمان شاه، في حلب السورية عام 1227، انفصلت عشيرة «قره كجيلي» عن القبيلة، واستوطنت في مناطق مختلفة من محافظة حلب جنوبا إلى وسط وغربي الأناضول ومناطق شرقي وجنوب شرقي تركيا. ومنذ مئات السنين، يحافظ أبناء «قره كجيلي» على حياة الرعي لتوفير متطلباتهم، وهو ما يستوجب الترحال بين الهضاب التي تشكل المصايف في كوتاهية، والسهول التي تشكل المشاتي في مانيسا.
وفي هذه الأيام، يسير أبناء «قره كجيلي» مسافة 15 كيلومترا كل يوم، من مصايفهم في هضاب جبل «أكريكوز»، للوصول إلى المشاتي في مانيسا، حيث سيقضون فصل الشتاء مع قطعانهم.
على طريق الهجرة، تستريح عائلة أوصلو، إحدى عائلات «قره كجيلي»، بمنطقة دميرجي في مانيسا، وتعمل على رعاية الأغنام والماعز، قبل استئناف الرحلة.
وأكثر اللحظات متعة لأبناء «قره كجيلي» هو الوقت الذي يقضونه في تحضير الشاي على نار الحطب بعد يوم متعب، وترديد الأغاني التراثية التي تبعث الدفء في الجسد خلال الليالي الباردة.
ومع خيوط الفجر الأولى، يتناول أبناء العشيرة الإفطار، ويعودون إلى العمل استعدادا لاستقبال فصل الشتاء.
يقول همت أوصلو (54 عاما)، أحد أبناء «قره كجيلي»، إنه فضل العمل في الرعي ومواصلة رحلة الشتاء والصيف حتى لا يترك والديه وحدهما.
ويضيف أوصلو لمراسل الأناضول، أن مهنة الرعي وفرت له رؤية أماكن عديدة والتعرف إلى أناس كثيرين وتعلم الكثير عن الحياة، وتكوين صداقات.
ويتابع: انطلقنا من جبل «أكريكوز» في كوتاهية قبل 23 يوما، ورحلتنا بين المصيف والمشتى تقليد وأسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه، كما لا يمكننا الاستغناء عن هذه السهول والجبال. إننا نأكل ونشرب ونكسب المال من هذا العمل.
ويزيد: أريد أن أنقل تقليد الترحال لأولادي. لدي ابنان، أحدهما معلم والآخر مهندس. كل عام نسلك الطريق الذي سلكه أجدادنا منذ مئات السنين، ونشعر بسعادة غامرة كلما عدنا نهاية مايو إلى منطقة المصيف في جبال أكريكوز، حيث بيوتنا.
ويلفت أوصلو إلى أنهم يتعرضون خلال رحلتهم بين المصيف والمشتى لحوادث مفاجئة، كموت أحد أفراد العشيرة.
ويختم بالقول: على سبيل المثال، عندما كنا نهم بمغادرة جبل أكريكوز، العام الماضي، فقدنا جدتي ودفناها حيث توفيت. قبرها لا يزال هناك في الجبل، أزوره دائما وأقرأ عنده سورا من القرآن الكريم.