ما بين القرية والمدينة.. نزاع القيم

نوافذ
أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

تدعونا بعض الصور النمطية المرتبطة بأشخاص محددين في المجتمع؛ إلى طرح أسئلة جوهرية عن حقيقتها، وعن جملة التداعيات المحيطة بها، ولماذا يرتبط كل ذلك بشخوصها على وجه التحديد، دون غيرها من أبناء المجتمع، وعندما نشير إلى المجتمع هنا، فليس معناه مجتمعنا المحلي الذي ننتمي إليه على وجه الدقة؛ وإنما أي مجتمع إنساني تحل فيه هذه الصور النمطية، وربطها بشخوصها الذين يشتركون في ذلك في كل المجتمعات دون استثناء، فيبدو أن هناك اتفاقا مجتمعيا على تأصيل نظرة دونية تجاه هذه الفئة من المجتمع.
من ذلك الأفراد الذين يعيشون في الأرياف، وفي الأماكن البعيدة نسبيا عن المدن الحضرية، حيث تتقاصر عنهم النظرة المقدرة لحقيقتهم الإنسانية، ويتضاءل عنهم تقييم منجزهم المشفوع بالتقدم والتطور؛ بالصورة التي يحظى بها الأفراد الذين يعيشون في المدن الحضرية، ولذلك تنسب إلى (الذين لا يعيشون في الحضر) النكات، والإساءات الخلقية، وينعتون بالسذاجة، وبخفة الظل، وفي بعض المجتمعات ينظر إليهم على أنهم “مواطنون من الدرجة الثانية” كتقييم اجتماعي محض، ولقد تطرقت الكثير من الأعمال الدرامية إلى هذا الموضوع بكثرة، ولكنها لم تذهب إلى المعالجة، بقدر ما كرست نفس النظرة والتقييم، وقد “زادت الطين بلة” مع أن الواقع يتصادم؛ وفي مواقف كثيرة؛ مع هذه النظرة، وهذا التقييم المجزأ، وذلك لما ينجزه الإنسان الريفي، أو الإنسان القروي من إنجازات نوعية في مختلف العلوم، وفي إحصائية تقييمية، يظهر أن معظم المتميزين في العلوم والمتصدرين الأوائل في الطب، والهندسة، والفلسفة، وفي الأدب، وفي كثير من مجالات الحياة المختلفة، هم من أبناء القرية والريف، وبعضهم من سكان الصحراء.
ومما يشفع لهم أكثر أن جل القيم الإنسانية العالية تنسب لهم في الإيمان بها، وفي تطبيقها، وفي الامتثال لها، فالكرم، والشجاعة، والصدق، والأمانة، والموضوعية، والوفاء، وكما يردد أيضا: “الوطنية للفقراء” حيث يتربعون على سدنة هذه القيم، وكما يقال: “حتى ولو على قطع رقابهم” ولعله ذلك منشأه إلى فطرهم السليمة التي لم تلوثها المدنية المغرقة في المادة، وفي تموضع المكاسب المادية القاتلة البحتة.
ومما يؤكد هذه الخاصية الـ “فطرية” أن لا تنازع على ذلك بين القرية والمدينة، حيث ظلت القرية بشخوصها البسطاء، تستحم بالقيم الرفيعة، لا ينازعها في ذلك منازع، وظلت المدينة مشغولة بمادياتها، وبطقوس صورها الاحتفالية المبهرة، دون أن تقدم بديلا للجوانب الإنسانية الشحيحة التي تزيدها؛ الكتل الإسمنتية الضخمة؛ جدبا، وشحا، وتغرق أبناءها في وحل بيئتها الضحلة.
يحل مفهوم “الإتيكيت” كواحد من المقاييس المطبقة في هذا الجانب، فالإنسان الريفي يتجاوز عنق الزجاجة هذا، ويرى أن الممارسة الفطرية في مختلف شؤون الحياة هي الحرية الكاملة لقناعاته التي يؤمن بها، وبخلاف ذلك فهناك تقييد يحد من هذه الحرية، ولذلك يستثقل مثل هذه الممارسات المدنية، وهناك نزاع دائم بين أي طرفين لا ينتميان إلى تجربة إنسانية واحدة، وكثيرا ما شاهدنا، أو عرفنا عن زوجين لما يكملان حياتهما الأسرية بسبب هذا الاختلاف الـ “بيني” في الممارسة السلوكية، نتيجة لهذه الانتماءات الاجتماعية غير الرسمية، والمعضلة المحورية في هذا الجانب، أن أي طرف لو حاول التنازل عن قناعاته التي أسستها المؤسسة الأسرية، سيكون حاله كحال الغراب الذي حاول تقليد الحمامة، حيث أصبح نسخة مشوهة في آخر الأمر.
تتوغل المدنية اليوم في مختلف مسارات حياة الناس، بصورة تلقائية وبلا تكلف، فهل سيعمل هذا التقارب على تقليص الفجوة بين الطرفين، وتتراجع مثل هذه التقييمات خجلا إلى الوراء، لتفسح للصور الأكثر إشراقا في تجسير العلاقات؟