عمان تجتاز التحديات بالإرادة السامية وتضحيات أبنائها

تنشد المستقبل بخطى واثقة ورؤية طموحة –

عمان: بكل المقاييس فإن العام الجاري 2020 كان مختلفًا على المستوى العالمي، للظروف المعلومة، وفي السلطنة فقد كان عام التحديات التي بدأت بالنبأ الحزين لرحيل جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ومجمل الظروف الأخرى من التحديات الاقتصادية والأوضاع التي صنعتها الجائحة الصحية، غير أنه بتوفيق الله عز وجل والرؤى السديدة للقيادة السامية وتعاون العمانيين كان رسم الطريق لتجاوز التحدي، بتحويل الأحزان والألم والفقد إلى قوة وإرادة واستلهام للمستقبل، كما كانت للإرادة السامية أن تلهم العمانيين عبر مجموعة من التحديثات والإصلاحات إلى المضي نحو الغد الأفضل. هكذا بخطوات واثقة ومدروسة تسير عمان نحو مرحلة جديدة من البناء والازدهار بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- تستمد قوتها مما تحقق على هذه الأرض الطيبة من تنمية شاملة على مدى 5 عقود.
وعمان دولة عظيمة على مر التاريخ تجتاز الأزمات والتحديات بحكمة وإرادة تصنع منها الأمجاد .. وفي ظل الظروف الحالية التي يمر بها العالم سارعت السلطنة الخطى في اتخاذ الإجراءات لمواجهة التأثيرات، والاستعداد لتنفيذ رؤية عمان 2040.
ولقد شهدت الأشهر العشرة الماضية جهودًا مكثفة وكانت ثمارها عظيمة في إعادة ترتيب الكثير من الأولويات لمواكبة متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية.

وتمثل إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة خطوة بالغة الأهمية لمواكبة التطورات بما ينسجم مع رؤية عمان 2040 وتحقيق أهدافها، وهذا يتأتى من خلال رفع كفاءة الجهاز الإداري، والقضاء على الازدواجية في اتخاذ القرار الناتجة عن تعدد الجهات، وتداخل اختصاصاتها، كما أن إعادة الهيكلة ستؤدي إلى تقليص حجم الإنفاق على المؤسسات الحكومية.
لقد تحققت الإرادة السامية لجلالة السلطان في بناء حكومة رشيقة قادرة على الإنتاج بشكل أفضل من خلال تبني أحدث آليات وأساليب العمل وتبسيط الإجراءات مع تفعيل حوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤية عمان 2040 وتحقيق أهدافها.
وأصدر جلالة السلطان 28 مرسومًا ساميًا بشأن إعادة تنظيم وهيكلة الجهاز الإداري للدولة بدمج وإلغاء بعض الوزارات واستحداث أخرى، وإعادة تشكيل مجلس الوزراء.

التعليم
بقدر الاهتمام بالمعرفة والتعلم يكون التقدم والتنمية ومن هذا المنطلق أولت السلطنة اهتمامًا كبيرًا بالتعليم منذ بداية النهضة الحديثة التي أسسها السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ويواصل مسيرتها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- وبقي التعليم مرتكزًا أساسيًا في جميع الخطط التنموية، وتأتي رؤية عمان 2040 لتؤكد من جديد أهميته بأن وضعته إحدى الأولويات لبناء الإنسان من خلال رفع جودة التعليم وتطوير المناهج والبرامج التعليمية، ليكون بذلك قادرًا ومؤهلاً على قيادة التغيير وتحقيق الأهداف المستقبلية.
لقد أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق أن الاهتمام بقطاع التعليم وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار في سلم الأولويات الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة… كما أبدى الاهتمام بدراسة الآليات المناسبة لتطوير التعليم وتجويد مخرجاته، وتفعيل دور البحث العلمي والابتكار، ومواكبة أساليب ووسائل التعليم الحديثة والتعلم عن بعد وتعزيز قدرات الطلبة والطالبات في مجال تقنية المعلومات والتواصل الرقمي.
وفي إطار الاهتمام السامي بالتعليم والبحث العلمي شملت إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة إنشاء وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار لتضطلع بالاختصاصات المتعلقة بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ومواكبة لمتطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية ورفد سوق العمل بكوادر متخصصة في المجالات الفنية والمهنية تتفق مع احتياجاته تم انشاء جامعة التقنية والعلوم التطبيقية.
واستمرارًا لدعم التعليم بجميع مراحله وتلمس جلالة السلطان لاحتياجات القطاع وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة له وجه جلالته في مطلع نوفمبر الحالي بتمويل بناء 6 مدارس ذات أولوية خلال المرحلة المقبلة بتكلفة 8.8 مليون ريال.. ولمواكبة التطورات في التعليم وحرصه على تعزيز قدرات أبنائه الطلبة في مجال تقنية المعلومات والتواصل الرقمي لمواكبة أساليب ووسائل التعليم الحديثة والتعليم عن بُعد، فقد وجّه جلالته بتوفير أجهزة حاسب آلي محمول للطلبة الجدد الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي للعام الدراسي من أسر الضمان الاجتماعي والدخل المحدود، وأجهزة حاسوب لوحية لطلبة وطالبات أسر الضمان الاجتماعي..

الإصلاح الاقتصادي
الإصلاح الاقتصادي إحدى الخطوات التي ركز عليها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حيث أكد على ضرورة توجيه الموارد المالية التوجيه الأمثل بما يضمن خفض المديونية وزيادة الدخل، وتحقيق التوازن المالي وتعزيز التنويع الاقتصادي .
وتحقيقا للاستدامة المالية تم الإعلان بمباركة سامية عن خطة التوازن المالي قصيرة المدى 2021 ـ 2024 بهدف التحكم في الوضع المالي وإدارة المخاطر للخروج من حالة التراجع المستمر وتحسين التصنيف الائتماني للسلطنة هذا من جهة، ومن جهة أخرى توفير الإطار المالي الداعم لرؤية عمان 2040.
وحددت خطة التوازن المالي 5 محاور هي دعم النمو الاقتصادي وتنشيط وتنويع مصادر الإيرادات الحكومية وترشيد ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية ورفع كفاءة الإدارة المالية العامة.
واتخذت الحكومة عدة خطوات لتنشيط وتوسيع مصادر الإيرادات الحكومية فقد تم بموجب مرسوم سلطاني إنشاء جهاز الضرائب وصدور نظامه واعتمـاد هيكلـه ليتولى اختصاصات قانون ضريبة الدخل، وقانون الضريبة الانتقائية.
وجاء المرسوم السلطاني رقم (121/ 2020) بشأن العمل بقانون ضريبة القيمة المضافة حيث سيكون موعد تطبيقها في أبريل بمعدل أساسي قدره 5% وهو من أدنى المعدلات على الصعيد الدولي.
وتعد ضريبة القيمة المضافة موردًا إضافيًا للمالية العامة للدولة مما يصب في تحسين جودة الخدمات العامة وتحسين البنية الأساسية، كما أنها ستدعم تحقيق أهداف السلطنة في تقليل الاعتماد على النفط والمنتجات الهيدروكربونية الأخرى كمصادر رئيسية لإيراداتها وسيكون لها أثرٌ إيجابيٌ على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى القدرة التنافسية الدولية للسلطنة حيث ستسهم الموارد المالية المتحصلة منها في بناء اقتصاد مستدام للأجيال القادمة.
وصدر مرسوم سلطاني بإجراء تعديل في قانون ضريبة الدخل، وذلك في إطار الانضمام إلى عدد من الاتفاقيات الدولية المعنية بالشأن الضريبي والمتعلقة بتبادل المعلومات.
وخلال هذا العام صادقت السلطنة على الاتفاقية المتعددة الأطراف بشأن تنفيذ التدابير المتصلة بالمعاهدات الضريبية والرامية إلى منع تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح. ولا شك أن هذه الإجراءات ستساهم في تحسين مركز السلطنة بالتقارير الدولية ذات العلاقة بالتنافسية وسهولة ممارسة الأعمال.

حوكمة الشركات الحكومية
ظل العديد من الشركات المملوكة للدولة تشكل عبئا على الحكومة دون أن تحقق أية نتائج وفي إطار الإصلاح الاقتصادي تمت إعادة النظر فيها ومراجعة أعمالها مراجعة شاملة، بهدف تطوير أدائها وتمكينها من الإسهام الحقيقي في المنظومة الاقتصادية سواء فيما يتعلق بالإيرادات أو توفير فرص عمل للمواطنين.
وقد تحقق ذلك بإنشاء جهاز للاستثمار العماني.
ويشكل الجهاز أهمية كبيرة نظرًا للدور المنوط به خصوصًا في ظل الأوضاع الحالية التي فرضت تحديات كبيرة مع تقلبات أسعار النفط وجائحة كورونا التي أربكت اقتصاديات العالم، حيث جمع جهاز الاستثمار العماني كافة الأدوات الاستثمارية للدولة بما فيها الاختصاصات والمخصصات والحقوق والالتزامات والسجلات والموجودات والأصول والاستثمارات المتعلقة بصندوق الاحتياطي العام للدولة، والصندوق العماني للاستثمار، وكافة الشركات والاستثمارات الحكومية.
وأصبح جهاز الاستثمار العماني يتمتع بأصول كبيرة تمكنه من المساهمة في تحقيق التنويع الاقتصادي من خلال تأسيس شركات وتفعيل دور الشركات القائمة والدفع بالاستثمارات العمانية سواء في السوق المحلي أو الأسواق الأخرى.
وفي أول خطوة لجهاز الاستثمار العماني فقد قام مجلس إدارته بإعادة تشكيل مجالس الشركات وتم تعيين أصحاب الخبرة والاختصاص في مجالات مختلفة، من أجل تحقيق الإدارة الفاعلة والحوكمة المثُلى.. كما تم التأكيد على تعزيز القيمة المحلية المضافة، وتمكين القطاع الخاص والتعاون معه في دفع عجلة التنمية، ونبذ المنافسة بين القطاعين، والالتزام بإجراءات الحوكمة لحفظ المال العام.

الحماية الاجتماعية
أولت السلطنة منذ بداية نهضتها الحديثة اهتماما كبيرا بتوفير الحماية الاجتماعية والرعاية للفئات التي تحتاجها لضمان توفير حياة كريمة للجميع في جميع الجوانب.
وقد تأكد ذلك النهج في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق بإيجاد برامج ممنهجة للحماية الاجتماعية تتوافق مع المرحلة الحالية التي فرضت الكثير من المخاطر والتحديات وتعاني منها كل دول العالم.. وكان من أبرز الخطوات التي تعكس اهتمام جلالته بتوفير الحماية الاجتماعية إنشاء نظام الأمان الوظيفي لمساعدة المنهية خدماتهم لأسباب خارجة عن إرادتهم، كمرحلة أولى، بتوفير منفعة مالية مؤقتة، فيما سيوفر إعانة مالية للباحثين عن العمل لأول مرة في مرحلة لاحقة، ومن بين الخدمات التي سيتولاها القائمون على الصندوق المساعدة في البحث عن فرص العمل الملائمة وتحديد الاحتياجات التدريبية.
ودعما لهذا الصندوق فقد تبرع جلالة السلطان بمبلغ 10 ملايين ريال كبداية لتأسيسه. وقد أكد جلالته -حفظه الله ورعاه- على دور أبناء عمان فيما تحقق خلال العقود.
وفي خطوة أخرى يتجلى فيها الحرص السامي على توفير الحماية الاجتماعية فقد وجه جلالة السلطان ، مع الإعلان عن خطة التوازن المالي متوسطة المدى (2020 – 2024م) ومواصلة مسيرة الإصلاح الاقتصادي، بالإسراع في بناء نظام وطني متكامل للحماية الاجتماعية، وذلك بهدف حماية ذوي الدخل المحدود وأسر الضمان الاجتماعي من أية تأثيرات متوقعة جراء تطبيق ما تضمنته الخطة من تدابير وإجراءات.

المشاريع التنموية
على الرغم من الظروف التي فرضتها متلازمة كورونا وتقلبات أسعار النفط إلا أن السلطنة استطاعت وبفضل حكمة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- أن توازن بين ترشيد الإنفاق والاستمرار في تنفيذ المشاريع التنموية التي تحتاجها البلاد وتعزز الحركة الاقتصادية.
وخلال الأشهر العشرة الماضية أسند مجلس المناقصات العديد من المشاريع التنموية بقيمة إجمالية تجاوزت نصف مليار ريال عماني وكان من أبرز المشاريع إنشاء مستشفى بولاية المزيونـــة بمحافظـــة ظفـار وتكملة الأجزاء الثلاثة المتبقية من ازدواجية طريق أدم – هيماء – ثمريت، وإنشاء سدود للحماية من مخاطر الفيضانات بولاية صلالة، ووحدات سكنية للمواطنين بسهل حمران بصلالة. كما تضمنت المناقصات المسندة إنشاء ركن السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- بالمتحف الوطني وتوريد أدوية ولقاحات وأمصال ولوازم أخرى للمستشفيات التابعة لوزارة الصحة.
وحرصًا على مواصلة تعزيز النمو الاقتصادي وحركة التنمية في السلطنة وجه جلالة السلطان المعظم في يونيو الماضي بتنفيذ عدد من المشاريع التنموية بقيمة 300 مليون ريال. كما أصدر أوامره في أكتوبر الماضي بتنفيذ مشاريع تنموية في مختلف المحافظات بقيمة 371 مليون ريال.
وتشهد السلطنة حاليًا إقامة العديد من المشاريع الحيوية في العديد من القطاعات الصناعية منها والسياحية والطاقة والأمن الغذائي التي تأتي ضمن خطط السلطنة في تعزيز التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل للمواطنين، كما تولي اهتمامًا كبيرًا بالشراكة مع القطاع الخاص لكي يضطلع بدوره الفاعل في تنفيذ مشاريع استراتيجية خصوصًا في قطاعات الثروة السمكية «الاستزراع السمكي» والتعدين والسياحة كأحد المحاور التي ترتكز على رؤية عمان «2040».

تعزيز اللامركزية بالمحافظات
اعتمدت الحكومة منهجا جديدا للمحافظات بإرساء بنية إدارية لامركزية للأداءِ الخدميّ والتنمويِّ، وهو ما يعكس الاهتمام السامي بالمحافظات. وتأتي هذه الخطوة الرائدة بتعزيز اللامركزية للمحافظات كأحد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها رؤية عمان 2040، حيث أصبحت المحافظة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتكون لها أهلية تملك الأموال الثابتة والمنقولة وإدارتها والتصرف فـيها ويكون للمحافظة ميزانية مستقلة. وبالنظر إلى الصلاحيات والاختصاصات التي نص عليها نظام المحافظات والشؤون البلدية نجد في مقدمتها تسهيل الإجراءات لتنشيط الاقتصاد والاستثمار والاستفادة من الإمكانات والموارد المتاحة في المحافظة واستثمارها على الوجه الأكمل، وبما يعزز المصلحة العامة، بإشراك المواطنين والاستماع لمقترحاتهم ورؤاهم.