الخطاب الذهبي

جاء الخطاب السامي الذي ألقاه أمس، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – ليكتب سجلا لمرحلة مهمة من التاريخ العُماني الحديث، ويرسم ملامح فترة مقبلة، في إطار يوم مجيد من أيام عمان الخالدة، حيث الاحتفال بالعيد الوطني الخمسين للنهضة العمانية الحديثة، ذلك المشروع الإنساني والحضاري الذي نقل عُمان إلى صدر المعالي، وحقق الآمال ورسم الأفق المرتجى. وإذا كان من الاستحالة تلخيص المعاني التي حفل بها الخطاب المثقل بالدلالات والأفكار الكبيرة، فإنه يمكن التوقف مع العديد من المرتكزات الجلية التي تشكل روح هذا “الخطاب الذهبي”، بكل ما تحمل هذه الصفة من إيحاءات، فهو نطق سامٍ يأتي بعد أن أكملت نهضة عمان المباركة عامها الخمسين، وهي تستشرف النصف الثاني من قرن مجيد بإذن الله، حيث الإنسان هو الجوهر في مجمل هذه المعادلة التي تصنع الترقي والنماء والازدهار. إن الطريق إلى مستقبل النهضة وتجددها مرتبط بالقدرة على تجاوز التحديات، وهي الإشارة الواضحة التي جاءت في الخطاب السامي، حيث أكد جلالة العاهل المفدى – أعزه الله – قائلا: “لقد تمكنت عمان بفضل من الله وتوفيقه من تجاوز التحديات التي مرتْ بها خلال العقود الماضية بحكمة وقيادة سلطانها الراحل، جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، وتضحيات أبنائها”. فالقدرة على هذا التجاوز هي التي تصنع الاختلاف باتجاه بناء الغد الأفضل المنشود، وهو النهج الذي رسمه مؤسس عمان الحديثة وباني نهضتها السلطان قابوس، عبر منهج دقيق وراسخ، في مسيرة بناء ساهم فيها الجميع من أبناء عمان، عبر مختلف التضحيات الممكنة. رسم العمانيون لوحة ذات ألوان عديدة تمزج بين الأدوار الحضارية والإنسانية والتقدم التنموي، وتضيف إلى الأصالة روح العصر، فيكون ذلك المسار المتصل من التأكيد العميق على رسالة واضحة لهذه النهضة التي أصبحت مصدر فخر لكل الأجيال. وإذا كان العقود الماضية قد شهدت تأسيس وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، فإن الطريق اليوم يمضي إلى الاستكمال والتمكين لمسار النهضة والتطوير “في إرساء مرحلة جديدة، تسير فيها بلادنا العزيزة”، وفق تأكيد جلالة السلطان المعظم، مشيرا إلى توظيف كافة الموارد والإمكانيات للوصول لهذا الهدف. ومع مقبل الأيام سوف ندخل في مسارات “رؤية عمان 2040” التي تحمل الإطار الكلي للمرحلة المقبلة، وهنا سيكون علينا جميعنا التسلح بالأفكار السامية والتوجيهات السديدة التي تنير الطريق، بحيث نعبر الظروف الراهنة لنصل بالاقتصاد إلى بر الأمان ونحقق تطلعات بعيدة المدى، محافظين على المكتسبات ومطورين في الإنجازات، وموفرين الحماية الاجتماعية اللازمة بما يكفل الحياة الكريمة للكل، في ظل رعاية سامية وعطاء متصل، ودولة عصرية تساير زمنها وتقفز بمنهج مدروس إلى كل ما يتصل بالتحديث والمستجدات. إن الأفكار والرؤى التي حفل بها الخطاب الذهبي لجلالة السلطان المعظم في هذا اليوم الخالد، هي نجوم كثيفة لكل منها نوره واستضاءاته، التي تشير إلى مسار معين يمكن أن يقود لخطط وبرامج ومشروعات، وهو ما سيتحول إلى أطر للمعرفة والاسترشاد والتنفيذ على أرض الواقع عبر تعزيز الابتكار والإبداع مستفيدين من أدوات العصر الرقمي والتقانة، وداعمين لكل المبادرات الذكية، التي تساهم في إحداث التحول المنشود، في ظل تمسكنا بجوهر مبادئنا وقيمنا، لنضع خرائط التاريخ ورؤى الراهن في سماوات المستقبل، مشيدين للمجد وعاملين لغد أكثر إشراقا.