هوامش.. ومتون: تطلّعات تقهر قمم المستقبل!

عبد الرزّاق الربيعي –

حين أمسك الطبيب حاسبته، بدلًا من سمّاعة الأذن، خلال الفحص الدوري الذي أجريه في المستشفى كلّ ثلاثة أشهر، موجّهًا لي عددًا من الأسئلة بهدف الحصول على معلومات، تتعلّق بالسنّ، والوزن، وأشياء أخرى، استغربت أسئلته، واستفسرت عن حاجته لمثل هذه الإجابات، قال: أريد أن أعرف الأمراض التي من المحتمل أن تتعرّض لها بعد عشر سنوات، تمنّيت أن يتوقّف عن ذلك، فالذي أحتاجه هو الاطمئنان على صحّتي لثلاثة أشهر قادمة فقط من خلال نتائج الفحوصات، لكنّه استمرّ، وسط قلق نفسي صار يزداد، مع خفقان القلب، كلّما يضع رقمًا جديدًا! ومصدر القلق أننا اعتدنا العيش بمعزل عن المستقبل، لاعتقادنا أن كلّ من يطرق هذا الباب، يصاب بخيبة أمل!! لذا، فلا ضرورة للمزيد من القلق إن كانت الإجابة سلبية!
خلال انهماك الطبيب بتعبئة المعلومات، استرجعت مع نفسي السؤال الذي ختمت به الإعلاميّة مديحة السليمانيّة الجلسة الحواريّة التي أدارتها «تطلعات الشباب في ضوء النهضة المتجدّدة»، وأقامها النادي الثقافي، ذلك السؤال وجّهته السليمانيّة للشباب المشاركين، وكان نصّه: «في ضوء رؤية 2040، ما خططكم لعشرين سنة قادمة؟» ساعتها، أشفقت على الشباب، لعلمي بأنّ وضع الخطط الشخصيّة ثقافة يفتقر إليها الأفراد في مجتمعاتنا، فتسير بشكل عشوائي، بلا برامج، ولا خطط واضحة، ولا استراتيجيات، إلّا قليلا! ويشمل ذلك ميزانية الإنفاق الشخصي، بمقابل الدخل الشهري، والكثير منّا سمع المقولة التي يردّدها المسرفون في الإنفاق «اصرف ما في الجيب، يأتك ما في الغيب»!
ولكنّ الذي فوجئت به أنّ الشباب بتخصّصاتهم، وهواياتهم، وتوجّهاتهم المختلفة، (مغامر، وصانع محتوى، وفنان تشكيلي، ومدونة وكاتبة، ومصورة، وضابط سطح ملاحة بحرية) لم يرتبكوا، بل كانوا حاضري الإجابة متوقّدي الذهن، فعرفنا من خلال إجاباتهم، أنّهم وضعوا خططهم لعشرين سنة، وكأنّها غدا، مع إيماننا جميعا بأن الأمور تسير بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لكن هذا لا يمنعنا من التخطيط للغد، «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا» حتّى أنّ المغامر، ومتسلّق الجبال رياض الهنائي، قال خطتّي استكمال تسلّق أعلى عشر قمم في العالم التي تسلّقت منها اثنتين، وبقيت لي ثمانية سيكون آخرها قمّة افرست في أحد جبال الهملايا»، فيما تحدّثت بسمة الهاشميّة -ضابط سطح ملاحة بحريّة- التي اعتادت التحكّم في سفينة شحن عملاقة لنقل ملايين الأطنان من النفط الخام، والزيوت، ويزيد طولها عن 300 متر، وتمضي رحلات لا ترى خلالها اليابسة على مدى ثلاثة شهور، أو أكثر، وقد تصل لستة شهور، كما حصل بعد تفشي كورونا، أقول: «تحدّثت بكلّ ثقة، عن خطط رسمتها على خرائط المحيطات، والبحار، وكأنّها خُلقت لتعيش على سطح الماء!»
وتكرّرت الأحلام، والطروحات في الجلسة الشبابية الثانية التي أدارها د.سعيد السيابي، وأنا أصغي لتلك الخطط، التي أدلى بها الشباب لعشرين سنة قادمة، راجعت ما سلف من سنوات العمر، بكثير من الحسرة، فمن المؤسف أننا اعتدنا التشبّث باللحظة الحاضرة تشبّث الغريق بلوح في لجّة الأمواج المتلاطمة، وشيئًا، فشيئًا انقطعنا عن المستقبل، وصرنا نسبح في دوّامة اللحظة الحاضرة، وحين نمدّ النظر، فإنّنا نمدّه باتّجاه الماضي، الذي يسحبنا إليه بكلّ قوّة، وحنوّ، وهكذا خسرنا الحاضر، والمستقبل معا!
لكنّ المشهد اليوم يبدو مختلفًا، فقد غمرني شعور بالثقة بمستقبل عمان في ضوء «النهضة المتجدّدة» التي نعيش منجزاتها اليوم، وسنحصد ثمارها غدا، ونحن نترجم رؤية 2040 إلى واقع ملموس، ومفردات عمل، وحياة، مستهدين بالفكر الثاقب لجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- وقبل أن ينهي الطبيب حساباته لمعرفة كيف سيكون عليه القلب المتعب بعد عشر سنوات، قاطعته، وقلت له: الأفضل عدم اعتماد نتائج فحوصات اليوم، في قراءتك، امهلني ثلاثة أشهر أخرى، أعيد شحن الروح بالأمل، والجسد بالحركة، ونعيد الفحوصات التي حتما ستحمل بشائر خير إن شاء الله، من حيث إن القادم، في ضوء ذلك، وبعونه تعالى، سيكون أجمل!