رجل النور ورسول السلام .. « 80 عاما منذ ميلاد السلطان قابوس »

“عمان”: تحلّ غدا الذكرى الثمانون لميلاد السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، في اليوم الذي تحتفل فيه عُمان بعيدها الوطني المجيد. ويحضر السلطان قابوس في هذه المناسبة باعتباره رمزا خالدا من رموز عمان العظيمة وأحد أهم دعاة السلام في القرنين الآخرين.
وإذا كان التاريخ العماني قد خلّد قادة عظام ساهموا مساهمة أساسية في بناء عُمان عبر الزمان فإن السلطان قابوس، طيب الله ثراه، سيكون في غرة قائمة هؤلاء العظماء الذين لن ينساهم التاريخ بعد أن حُفرت إنجازاته على حجارة جبال عُمان الصماء من مسندم إلى ظفار، وكتب التاريخ اسمه في صفحته الأولى بحروف من ذهب لا يصدأ أبدا.
لم يكن السلطان قابوس، المولود في 18 نوفمبر 1940 في مدينة صلالة مجرد رئيس دولة مهما كانت براعته وقدراته وعدله، ولكنه كان رمزا بحث العمانيون عنه طويلا، وقائدا منتصرا أعاد لبلادهم أمجادها العريقة، تلك الأمجاد التي كانت على وشك أن تخبو خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما شعر العمانيون، وهم سليلو حضارة وأمجاد، أنهم على وشك الخروج من تاريخهم على أقل تقدير، فتناثروا في الشتات يبحثون عن الحياة في حدها الأدنى إمعانا في تمسكهم بالبقاء وانتظارا للرمز المخلص؛ فهم يؤمنون أن شعبا مثل “شعب عمان” لا يمكن أن يفنى أو أن يخرج من التاريخ أبدا. وفي تلك اللحظة الملتبسة بين الخوف والرجاء جاء السلطان قابوس بن سعيد يحمل البشارة، ويحمل مشعلا أوقد به أنوار عُمان لتستعيد مكانتها وكان لسان حاله يقول من أول يوم ومن أول خطاب مباشر بينه وبين شعبه: “ارفعوا رؤوسكم فأنتم عمانيون أصحاب تاريخ وأمجاد”، وفهمت هذه الدعوة من قول جلالة السلطان الراحل يوم 23 يوليو 1970 عندما قال للعمانيين “كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي”.
تميز السلطان قابوس منذ اليوم الأول لوصوله عرش عُمان بقوة الإرادة، والطموح الذي لا حدود له، مع ذلك كان طموحه لبناء عُمان مدروسا بعناية؛ فمع التوق لبناء دولة عصرية تأخذ بأسباب العصر وأساليبه إلا أن كل ذلك لم ينسه أن لعُمان تاريخ طويل لا يمكن القفز نحو المستقبل بدونه. فكان تاريخ عُمان هو المرآة التي نظر منها السلطان قابوس نحو المستقبل، وبذلك التاريخ حُصنت الشخصية العمانية واكتسبت اتزانها؛ فلا يشعر العماني بأي عقدة نقصد اتجاه التاريخ وبالتالي اتجاه المستقبل.
وخلال خمسة عقود بنى السلطان الراحل، في الداخل دولة عصرية وازنت بين الأصالة والمعاصرة، وكانت كل خطوة تخطوها الدولة للأمام لا بدّ أن تستقرئ مستقبلها عبر معطيات ماضيها وتاريخها؛ ونجحت عُمان في الداخل والخارج حيث بدت خارجيا دولة متصالحة مع نفسها ومع محيطها لا تتبنى أجندات سياسية تهدف إلى تدمير الآخرين تحت دعاوى حضارية أو توسعية، وعرف جلالة السلطان الراحل بأنه رجل السلام ونصيره في العالم وتوافق العالم شعوبا وقادة في اعتبار العمانيين من أكثر الشعوب تسامحا وسلاما داخليا وخارجيا.. وما كان هذا الأمر ليكون لولا سياسة السلطان الحصيفة التي زرعت العدل بين العمانيين، وكذلك أرست فكرة المواطنة فجميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات ويفصل بينهم القانون.
وفي هذا العام الذي رحل فيه السلطان قابوس كان مشروعه النهضوي قد أكمل نصف قرن من الزمن وصار يمكن النظر إليه من زوايا متعددة بعيدا عن النظرة الأحادية، رغم أن حتى تلك النظرة الأحادية تقود الرائي إلى مراتب أقرب إلى الكمال. لكن تحتاج تلك القراءة أو النظرة إلى قدرة تركيبية تضع الأحداث في سياقها الحقيقي.
وصل السلطان قابوس إلى الحكم في 23 يوليو من عام 1970، وكانت المنطقة تمر بواحدة من أصعب وأعقد مراحلها التاريخية وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية.. كان سقف طموحات الشعوب عاليا جدا مع علو صوت حركات التحرر الوطني، وكانت منطقة الشرق الأوسط موج يتلاطم أو بركان ثائر ويقذف حممه في كل مكان.
وكان العالم العربي يحاول العبور فوق الأحداث لتجاوز آثار نكسة حزيران. وكانت بريطانيا بضغوط عالمية وضغط داخلي من حزب العمال أعلنت أنها ستنسحب من شرق السويس. وبدأت الجزيرة العربية تطرح أسئلتها وتعيد تركيب شتات المشهد.
ولم تكن الأحداث في عُمان بعيدة عن كل تلك البراكين بل كادت براكينها تكون أكثر التهابا وأعقد فهما.. فهي رغم تاريخها الطويل والموغل في القدم إلا أنها مرت بظروف صعبة على المستوى التنموي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لم يكن في عمان في ذلك الوقت ما يمكن أن يشير إلى أنها في الثلث الثاني من القرن العشرين.
ووسط مشهد محتدم وصل شاب يبلغ من العمر 29 سنة إلى عرش عُمان وكان عليه أن يقرأ كل المتغيرات وكل المعطيات المعقدة جدا للمشهد العماني وإلى جواره المشهد العربي.. وكان أمامه الكثير من المهام الجسام: أن يخمد ثوران البراكين الداخلية والمحيطة، وفي الوقت نفسه أن يبدأ رحلة بناء حقيقية لعمان. ولم يغفل السلطان خطورة البراكين وأخذ في إخمادها ولكن ليس بالحديد وحده بل اتخذ من التنمية أداة مهمة في إخماد البراكين والنيران المشتعلة إلى جوارها، فكانت شرايين التنمية التي وصلت السهل والجبل تخمد النيران رغم اشتعالها المستعر، وسرعان ما تحولت البراكين إلى واحات خضراء تحمل وحدها معاول البناء.
واستطاع السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور بنجاح أن يدير السياسة العمانية الداخلية وسط كل المتغيرات السابقة وأن يعيد للمجتمع تماسكه بناء على المشتركات التاريخية.
رغم ذلك كان أمامه مهمة كبيرة أخرى وهي الاشتغال على إقامة توازنات داخلية حتى يستطيع الانتقال بالمجتمع العماني من مجتمع قبلي إلى دولة المؤسسات. ورغم حساسية المجتمع العماني والتعددية التي يعيشها إلا أن السلطان، طيب الله ثراه، نجح بشكل كبير في إقامة تلك البنى العمودية من أجل العبور بالمراحل إلى بر الأمان.
وعمل السلطان منذ اليوم الأول على بناء دولة حديثة متكاملة الأركان ومنفتحة على حداثة العالم ولكن دون تفريط في قيمها الأصيلة التي تأسس عليها المجتمع العماني عبر التاريخ. فكما اهتم السلطان الراحل ببناء المساجد وخدمة المصحف الشريف، وجه جزء من اهتمامه إلى الفنون الحديثة، فأسس أول أوركسترا سمفونية في المنطقة العربية، واهتم بالموسيقى العمانية وأنشأ مركزا خاصا لها جمعت فيه ووثقت كل الفنون العمانية المغناة، ثم توج ذلك الجهد في خدمة الموسيقى بافتتاح دار الأوبرا السلطانية لتكون ثاني دار أوبرا في منطقة الشرق الأوسط بعد الأوبرا المصرية.
كما اهتم السلطان قابوس بالبيئة فأنشأ لها جائزة عالمية تمنح كل سنتين عبر منظمة اليونسكو العالمية، ولكن قبل ذلك كان اهتمامه بالبيئة العمانية التي رعاها حق رعايتها ولذلك أصبحت عمان واحة غناء يتغنى بها الشعراء لجمالها ونظافتها.
في المجمل كان السلطان قابوس صاحب رؤية عميقة في بناء الدولة الحديثة.. كان قائدا ذا نظرة شاملة للأشياء ونظرة واعية. وكما استطاع السلطان أن ينزل إلى الشعب في مستوى خطابه التوجيهي ذهب إلى الشعب مباشرة في القرى البعيدة وفي وسط الصحارى القاحلة أو الجبال الشاهقة يتابع تفاصيل حركة التنمية ويسمع منهم ملاحظاتهم على أداء الحكومة أو متطلباتهم من أجل حياة أفضل. وكانت صحيفة بريطانية قد كتبت في تسعينيات القرن الماضي تقول:” في الوقت الذي يستمتع فيه قادة الغرب في آخر الليل بقراءة كتب أدبية فإن سلطان عمان يستمتع بقراءة رسالة مواطن قدمّها لجلالته يطلب فيها خدمة لمنطقته أو مساعدته في حل مشكلته فهذا المواطن يتلقى الرد على طلبه بأسرع مما نحصل عليه نحن في الغرب، فالعمانيون محظوظون فزعيمهم يحب عمله ومن النادر جدا أن يوجد رجل تبدو عليه السعادة وهو يؤدي عمله”.
وهذا المعنى بالتحديد قاله السلطان، طيب الله ثراه، للصحفي الكويتي أحمد الجار الله في حوار معه عام 2008 “راحتي ليست في البعد عن العمل الذي أحبه، ويقال سعيد من هوايته مهنته، قلت لك سابقا إن المنصب تكليف لا تشريف ونحن أصحاب رسالة أحببناها.. أجد متعتي وراحتي في نهضة عمان.. إنني عندما أشعر بمتاعب الروتين اليومية، إن وجدت، فإن متعتي وراحتي في التحرك الميداني حيث أجوب الأقاليم وأختلط مع الناس.. أعيش حياتهم وأسمع شكواهم وأتطلع إلى مسار نهضة بلادنا وسرعة الإنجاز فيها.. هذه أعتبرها إجازة وراحة كبرى للنفس كما أنني لا أشكو من حاجة ولله الحمد.. هذه البلاد وشعبها وفروا لولي الأمر كل ما يريحه لإكمال رسالته”. لقد حمل السلطان قابوس معه لعمان كمية هائلة من النور شعت في سماء عمان بددت كل فلول الظلام.
والعمانيون إذ يستذكرون اليوم ميلاده فإنما يستذكرون معه تفاصيل نهضة حديثة قادها على مدى نصف قرن ولن تخبو نورها أبدا.