مقامات : طرق خفيف في مناطق هشة

فاطمة الشيدي

(١) الذاتية محور العالمظ

الشاعرة التي تتشافى بالكلمات وتتألق بها ترسل رسائلها في الهواء لتعلن للعالم كم تحب ذاتها. والمرأة الوحيدة التي تحاول الحياة بعد أن تسربت من بين يديها تتأمل وجهها في المرآة وهي تعلن محبتها لذاتها كل صباح.
والرجل الذي يشرب القهوة في المقهى ويطلق صوره في مواقع التواصل الاجتماعي يحاول أن يتشبث بذاته ليواجه السأم بالهروب للداخل بعيدا عن كل شيء.
والصديقة التي قررت أن تحب ذاتها وتعمل عملية تجميل لتختصر الزمن فتبدو أصغر وأجمل قالت أنها تفعل ذلك تقديرا ومحبة لذاتها.
فإذن محبة الذات، أو صناعة الذات، أو تمجيد الذات، أو تقديم الذات أو مساعدة الذات ؛ هي الفكرة التي تتصدر العالم المحيط بنا اليوم، فتواجهنا في أعمالنا وبيوتنا وربما حتى في أسرّتنا، حيث تصدر لنا هذه الفكرة _التي ليست صائبة تماما _عبر مواقع التواصل التي أصبحت تضج بمدربي التنمية البشرية أو الذاتية والمحفزين وكل من يدّعي المعرفة وقد يكون غير قادر حتى على منح نفسه بعض السلام.
الفكرة جيدة بالطبع، ولكنها ليست مثالية، بل لعلها حالة مواجهة لاهتزاز للكثير من الأفكار الجمعية المتهاوية بدءا من فكرة الوطن حتى الأسرة، أو ردة فعل لتصاعد فكرة المصلحة والنفعية وانهيار المنظومة القيمية القائمة على الخير والجمال والمحبة.
بل قد تبدو الفكرة من زاوية أخرى بشعة جدا، ومقيتة وقاتمة؛ فمحبة الذات عليها أن لا تتناقض مع العطاء والتضحية تلك القيم التي تهب الفرح والسلام، فالذات جزء من العالم وليست محوره، والذات لا تتحقق بعيدا عن الآخر، لأنها جزء منه، وليست في حرب معه.
إن هذه الفكرة (حب الذات) في حقيقتها خير أريد به به، أو باطل تجلى في ثوب الحق، فهي فخ من فخاخ العصر المادي، والرأسمالية البغيضة، التي صدّرت الكثير من الأفكار البراقة مثل محبة الذات والفردانية وغيرها لتهدم العميق والحقيقي من الإنسان، والمنظومة القيمية القائمة على الخير والجمال والمحبة ولذا فعلينا جميعا أن ننتبه لذلك، فالإنسان كائن جمعي تقوم حياته على تجليات المحبة وجمال العلاقات الإنسانية وعمقها ومسئولياتها التي تفترض المشاركة، والعطاء دائما والتضحية أحيانا.

(٢) المبدع إنسان

المبدع خارج النص إنسان طبيعي بكل تجليات الخير والشر الممكنة في طبيعة الإنسان والمتفاوتة من شخص لآخر، وعلينا ألا نحاسبه بغيرها وألا نسقط عليه رؤانا الشخصية لإبداعه، ونفرض عليه صورة نمطية لما نتوهمه في المبدع من صفات، ومن خصائص عظيمة، أو على ما نجده في إبداعه مما نحب وما نؤمن به ؛ هذه الفكرة البسيطة والطبيعية جدا تتصدر الوعي الإنساني ما أن يشاهد المرء فيلم  “Adangerous method” وهو فيلم عن التحليل النفسي، وعن علاقة يونج وداروين وتدهورها لاحقا بسبب اختلافهما في النظرية؛ بين البعد المادي عند داروين، والماورائي عند يونج، وعن علاقة يونج بالمريضة التي تحولت لعشيقة، ثم طبيبة نفسية، وعلاقاته الغرامية المتعددة.
فعبر هذا الفيلم تنتبه لفكرة الذات خارج القيمة، أو الفرق بين القيمة الإنسانية والقيمة العلمية، فالفيلم كمضمون وكرسالة لن يعجب المتعلّق بنتاجات يونج العلمية العظيمة، لأنه يظهر الجانب المظلم لشخصيته، ذلك الجانب الخاص بعلاقاته النسائية وتفاهته الإنسانية، وأنانيته الذكورية، وسينفر من الرجل الحيواني الشهواني القبيح في يونج، تماما كما لن يحب زوجته الثرية التي تكافئه على خياناته بالهدايا والعطايا كي لا تفرّط فيه. فالجانب المظلم للجميع قبيح غالبا وخاصة عند الرجل سواء كان مبدعا أوعالما أو شخصا بسيطا.
وهذا ما ستقرؤه أيضا في سيرة عن السياب بعنوان “بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة. ذكريات شخصية” لعبداللطيف أطيمش. فهذه المذكرات ترصد حياة السياب الشخصية خارج الشعر _وهو الشاعر العبقري الفذ_ لذا تجد السياب الإنسان بحساسيته وتهوره وأخطائه، وبكل صفات المبدعين وخاصة الشعراء من _امرئ القيس فالمتنبي وربما حتى آخر مبدع سيعبر هذا الكوكب العجوز- من غطرسة وجنون وتهور وطموح ورغبة في الظهور وسرعة الغضب وغيرها، فالسياب كالمتنبي تماما تمنى المكانة السياسية والثقافية ومدح ليحصل عليها وغيّر مواقفه، وهجا قبل أن يعجزه المرض؛ فتراجع عن كل ذلك باتجاه المحبة الإنسانية والغفران. إلا إن انحيازنا العاطفي له ينبع من عمق شعره الذي شكّل علامة فارقة في الشعر العربي. لذا فما يحزنك في هذه المذكرات عدم تفهم الناس لطبيعة المبدع، وتنكر الوطن والإنسان للسياب كما حدث كثيرا مع المبدعين في كل الأزمان وكما سيحدث كثيرا أيضا. وهو القائل “إن مت يا وطني فقبر في مقابرك الكئيبه/ أقصى مناي. وإن سلمت فإن كوخا في الحقول هو ما أريد من الحياة”.
أما محمود درويش الذي _ظهر لنا نسونجيا أنانيا لدرجة أنه تخلى عن طفلته أو تجاهلها _عبر مقال سليم بركات فيمثل أعمق نقطة في هذه الفكرة من حيث طبيعة المبدع من جهة وصورته في أذهان الناس من جهة أخرى، فالتنمر الثقافي واللغوي الذي حظي به سليم بركات والسخط العام الذي أثارته المقالة التي نشرها في القدس العربي عن علاقته بمحمود درويش عبر الأزمنة والأمكنة، وعن علاقات درويش العاطفية فاشيا لسر كبير وهو وجود ابنة غير شرعية لدرويش، والكثير الكثير من الضجيج واللغط، والتنديد الذي حوصر به بركات من أغلب رواد مواقع التواصل الاجتماعي سواء من قرأ المقالة أو لم يفعل.
تلك الزوبعة التي كانت أغلبها شتيمة لسليم بركات وتمجيد لدرويش ربما لأن الأخير ميت أو لأنه رمز فلسطيني وشعري في الذاكرة العربية التي تميل إلى التقديس وصناعة الرموز والأساطير والآلهة.
فبعيدا عن الكبيرين لغة وانتاجا الحي منهما أو الميت فإن هذا الجدل يشير إلى ارتباك صورة المبدع بين الحياة الشخصية، والقيمة والإبداعية في الذاكرة الجمعية، ومدى مصداقية ما يُكتب عن حياة الكاتب بعد موته أو حتى ضرورة ذلك وقد وضع هو القلم، وتخلى عن الألقاب ولم يعد بوسعه الرد أو المشاركة في الموضوع الذي يدور حوله.
لذا فعلينا أن نسلّم أن المبدع إنسان بنقصه وأخطائه وبأهوائه وشهواته، وهذا يكفي كي نتفهم كل المواقف فيما بعد؛ فالإبداع لا يقيه من الزلل بل قد يكون مبررا له، والمبدع ليس صورة مثالية بقدر ماهو حالة إنسانية، وذهاب عميق مع الأرض التي عاش فيها والإنسان الذي ينتمي إليه.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فالكاتب الذي يعرّي مبدعا أو يكتب عنه فهو يقوم بفعل الكتابة أيضا لأنه شاهد على العصر والتاريخ، والمبدع (مهما بلغت شهرته) ليس إلها كيلا تعرّى أخطاؤه. وهكذا فلم لا يكون لدرويش مغامرات أو ابنة، ولم لا تتناول سيرته هو أو غيره من المبدعين بشهادات أصدقائهم الأحياء قبل موتهم ولم لايكشف الغطاء عن شخصه وعلاقاته وتعاملاته! ولم يكثر الضجيج واللغط ما أن تنبش حياة كاتب ما غيبّه الموت بنشر بعض حيواته أو كتاباته أو رسائله كما حدث كثيرا مع رسائل غادة السمان مثلا، هل لأن جميع من يرفض ذلك يحملون نفس الأخطاء ويخافون نفس المصير من الفضيحة بعد الموت، وبالتالي هم يدافعون عن أنفسهم أكثر مما يدافعون عن درويش أو غيره.
إن الكاتب حر في مايكتب، والموت لايمنع من كشف الأسرار بل يبيحها ويجعل كشفها ضرورة للزمن والتاريخ، فالمبدع إنسان أولا وأخيرا يخطئ ويصيب بغض النظر عن قيمة إبداعه، بل يصبح بعد موته حقا عاما للقارئ والباحث في حياته ونصه، وبالطبع ستظهر روائح الأشياء القابلة للاحتراق، وستكشف الأسرار لأنها غالبا فكرة واهمة، فلو بقت في صدر صاحبها فهي لاشيء للآخر لأنه لا يعرفها، ولو خرجت لشخص واحد فقط أصبحت جاهزة للشيوع.
إن الصورة المرتبكة للمبدع هي نتاج الحالة العربية التي ماتزال متأخرة ثقافيا، وجاهزة للحروب العبثية والقتل المجازي للأشخاص ما أن ينتهكوا ذاكرتها المليئة بالأصنام والأساطير، وأن السجال والجدل والنقاش مازال حالة غير ناضجة وغير متحققة الشروط في ثقافتنا ويستعاض عنها بالشتم والرجم والتحقير والتقزيم، بينما على الصورة أن تكون طبيعية جدا في جوهرها الإنساني والإبداعي معا دون تناقض أو ارتباك.