مرفأ قراءة.. «السندباد» وتأصيل أدب الجغرافيا البحرية في التراث العربي

إيهاب الملاح

– 1 –
تربطني صلة قديمة (لكنها متجددة) بما أسميه «التعرف الأول على كتابٍ لا ينسى»، ما أكثر الكتب التي لا تنسى التي تعرفنا عليها في حياتنا (وسنظل إلى ما شاء الله) قد يكون موضوع الكتاب أو مؤلفه، أو طريقة كتابته، أو غلافه، أو أي علامة أخرى تظل ملازمة له، ولا تغيب عن ذاكرتنا مهما بعد الزمن وطال العهد!
من بين الكتب التي لا أنساها كتاب المثقف النهضوي الراحل حسين فوزي «حديث السندباد القديم»، وما أجمل الكتاب، وما أجمل موضوعه، وما أجمل قراءته، وما أجمل الرجوع إليه!
كلما سنحت لي فرصة لاستعادة هذه المتعة الخالصة التي لم تفارقني (ولا تفارقني حتى اللحظة) اقتنصتها فورا ولا أهدرها أبدا! فمنذ قرأت هذا الكتاب للمرة الأولى في طبعته الصادرة سنة 1997 عن سلسلة (ذاكرة الكتابة) بهيئة قصور الثقافة المصرية، وكان يرأس تحريرها آنذاك الناقد الراحل رجاء النقاش (واحد من أهم النقاد المثقفين في مصر وعالمنا العربي في النصف الثاني من القرن العشرين) استقر في ضميري أن هذا الكتاب واحد من الكتب الجليلة وأمتعها ليس فقط في دائرة موضوعه الذي يبدو متخصصا للغاية لكنه في الحقيقة ليس كذلك وتتسع دوائر تلقيه خارج هذا التخصص الموهم؛ ليشمل الأدب والأساطير والعلوم والمعارف البحرية القديمة وأشتات متفرقات من التراث الأدبي والعلمي معا لدى العرب. وبالجملة أُنشئت قصته الخلابة من أشتات المعارف الجغرافية وحكايات الرحالة القدامى في تراثنا العربي.
بعد ثلاثة وعشرين سنة من هذه الطبعة، تعيد السلسلة ذاتها إصدار طبعة أخرى من الكتاب الجميل الرائق الممتع السلس الذي يتناول ولأول مرة ربما في ثقافتنا العربية الحديثة تاريخ الجغرافيا البحرية والأدب والنصوص المتصلة بها في التراث العربي، وكما عرفها العرب منذ أقدم العصور، حتى اللحظة التي أنجز فيها المؤلف كتابه سنة 1943!
– 2 –
يصف المرحوم فؤاد دوارة كتاب «حديث السندباد القديم»، في حواره الشهير مع حسين فوزي (منشور في كتابه الجميل «عشرة أدباء يتحدثون»)، بأنه «رحلة خيالية في الزمان والمكان، يعود بخياله إلى المحيط الهندي لا كما عرفه منذ عشر سنوات، بل كما عرفه البحارة العرب قبل عصر الاكتشافات البحرية الكبرى التي بدأت بوصول «بارتولوميو دياز» إلى رأس الأعاصير والطريق الحيوي من القارة الإفريقية، ثم اقتحام فاسكو داجاما بحر الهند ويباشر بدورانه حول رأس الرجاء الصالح، أتبعت برحلة كولومبوس إلى العالم الجديد، وهو يحسب أنه يسلك طريقا غريبا إلى الهند وبلاد الذهب، ويقال إن «شهاب الدين بن ماجد النجدي» كان دليل فاسكوداجاما في رحلته من ماليندي على الشاطئ الشرقي للقارة الإفريقية إلى فليفوط على الشاطئ الغربي لشبه جزيرة الهندية».
كانت هذه الفقرة السحرية مدخلي مباشرة إلى الكتاب الذي يقع في 355 صفحة من القطع المتوسط، ولا يحتاج قارئ هذا الكتاب أكثر من مطالعة الصفحة الأولى منه حتى يقرر بإرادته الحرة الواعية أن يكمله للصفحة الأخيرة!
على الأقل هذا ما جرى معي فلم أكن أتصور أنني يمكنني أن أحظى بهذه المتعة الجمالية الخالصة والفائقة وأنا أقرأ هذا الحشد الهائل من المعارف والعلوم والتواريخ والحكايات والأساطير والتصورات الفولكلورية والجغرافية والتاريخية التي اختلطت ببعضها البعض في نسيج مندغم متناغم حول آدابنا القديمة التي اتصلت بالبحر والرحلة البحرية والسفر عبر الآفاق وما أنتجته المخيلة العربية الخلاقة من نصوص وكتب ما زالت تحتل الصدارة والبراعة بين كتب هذه الدائرة المعرفية في تراث الإنسانية.
فضلا على ما استخلصته بعد ذلك في قراءات تالية؛ وظننته آنذاك بأنه اكتشاف مهم، وهو الالتفات إلى محاولة حسين فوزي بتأصيل رحلات السندباد كما قرأناها في ألف ليلة وليلة وردها إلى أصولها في التراث السردي والقصصي العربي وغير العربي في التراث الإنساني كله.
– 3 –
يعالج كتاب «حديث السندباد القديم» الذي صدر للمرة الأولى عام (1943) تاريخ المحيط الهندي كما عرفه البحريون العرب، فيما بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلاديين؛ أي في المرحلة السابقة على عصر الاكتشافات الكبرى، وقد نجح مؤلفه العلامة حسين فوزي في أن يعبر عن تصوراته للتاريخ الحضاري لأمته من خلال إعادة تمثله رحلات السندباد البحري، وما تضمنته قصص (ألف ليلة وليلة) وكتاب (عجائب الهند) المنسوب إلى بزُرْك بن شهريار الناخذاه الرامهرمزي.
كنت في ذلك الوقت متشبعا حتى النخاع بشغف القراءة عن (ألف ليلة وليلة) ليس باعتبارها قصصًا وحكاياتٍ تحولت إلى حلقات إذاعية مثيرة للخيال على يد المرحوم طاهر أبو فاشا، بل باعتبارها كنزا سرديًّا وإنسانيًّا ومعرفيًّا وحضاريًّا اكتشفت قيمته وأهميته على يد أساتذتنا الكبار في مصر والعالم العربي؛ وعلى رأسهم طبعًا أستاذة الأجيال سهير القلماوي بدراستها الرائدة «ألف ليلة وليلة».
تقريبًا كنت قرأت كل ما كُتب بالعربية عن هذا المنجم الحكائي السردي؛ لكنني لم أقرأ نصًا عن (ألف ليلة وليلة)، ولا عن حكاياته ومضامينه وإشاراته التاريخية والأسطورية، بعذوبة وجمال وروعة «حديث السندباد القديم».
أنت تقرأ قصيدة عذبة رائعة لا تملك بعد قراءة مقطع منها إلا أن تصيح منتشيا «الله.. الله». هذه كتابة جميلة غاية في الجمال؛ لا تسعى إلى أكثر من تصوير وتسجيل أثر (ألف ليلة وليلة) في نفس قارئها حسين فوزي؛ وكذلك تتبع الأثر ذاته للحكايات والأساطير والقصص والمرويات التي ارتبطت بالبحار والبحارة والارتحال بين الجزر والموانئ (الواقعي منها والخيالي) في نصوص الأدب العربي.
يقول الناقد الكبير صبري حافظ عن «حديث السندباد القديم»: «استطاع حسين فوزي أن يتعامل مع كنوز الكتب والموسوعات العربية الكبيرة بأسلوب عالم الآثار الذي ينقب في طبقات الوعي المعرفي ليكشف لنا عن أركيولوجيا العقل العربي في تعاملها مع العالم الخارجي جغرافيًّا وإحيائيًّا، من ناحية، ومن أركيولوجيا الخيال العربي في إحالتها كل تلك المكتسبات المعرفية والإنجازات الإبداعية إلى عمل أدبي عظيم من ناحية أخرى، فليس كتابه دراسة جافة لهذه الكتب الزاخرة بالمعارف، إنما هو عمل علمي أقرب ما يكون إلى الإبداع الخلّاق الذي يعيد فيه تأسيس مفردات الأسطورة العربية على أساس معرفي راسخ».
– 4 –
رغم مرور عقود على صدور الكتاب وتنامي المعرفة الأدبية والنقدية بل والعلمية في موضوعه، ما زال الكتاب محتفظا بنضارته وحيويته وتجدد متعة قراءته؛ إذ كان الكتاب حلقة محورية من حلقات مشروعه الكبير الذي أُطلق عليه «سندباديات»؛ متخذا من شخصية السندباد قناعا معرفيا معاصرا للتجوال الحر المباشر في الزمان والمكان؛ قديما وحديثا، من أقاصي البحار والمحيطات إلى أعالي الهضاب والجبال، من القاع المظلم في أبعد نقطة في جوف الأرض إلى أعلى تحليقة تحققها هزة وتر ممسوس في كمان عاشق أو نفخة متيم نايه يحملنا على ألحانه الشجية إلى ما لا يتوقعه بشر ولا يحدسه!
وهكذا يتخذ «حديث السندباد القديم» موقعه كإصدار ثان بين 8 كتب كاملة تصدرها عنوان «السندباد». استهلها بـ «سندباد عصري ـ جولات في المحيط الهندي»؛ مرورا بـ «سندباد مصري ـ جولات في رحاب التاريخ»، و«سندباد في سيارة»، و«سندباد إلى الغرب»، و«سندباد إلى العالم الجديد»، واختتمها بـ «سندباد في رحلة الحياة» وهي سيرة ذاتية مركزة ومكثفة ما زلت أرى أنها واحدة من أهم السير الذاتية العربية في القرن العشرين…
 (وللحديث بقية).