مدرسة الإمام جابر بن زيد هي نواة المدارس العُمانية التي أسسها تلامذته العمانيون

رئيس مشروع «المدارس التعليمية العُمَانية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحديث»:

حوار: ماجد الندابي –

عايشت عمان النهضة العلمية الإسلامية، وواكبت مسيرتها منذ بدايتها، وكانت مساجد عمان تضاهي مساجد المناطق والأمصار الإسلامية الأخرى، وشُغلت بحلقات تدريس العلوم الفقهية واللغوية والأدبية، وغيرها. وعملت المدارس في البدايات الأولى في المسجد، ثم أُقيم لها بناء مستقل داخل ساحة المسجد، ثم أصبحت وحدات مستقلة تمامًا عن المسجد، مع الحرص على بقائها قريبة منه؛ حتى تكون علاقة الطلبة وثيقة بالمسجد منذ البداية؛ بهدف تعويدهم على ممارسة الشعائر الدينية بالشكل الصحيح، كما هو الحال في مدرسة العلامة ابن بركة في القرن الرابع الهجري، ولا تزال هذه المدرسة باقية إلى الآن. كما أقيمت بعض المدارس العلمية في الحصون والقلاع مثل مدرسة الإمام بالعرب بن سلطان (1680 – 1692م) التي كانت في حصن جبرين، وكانت تحوي سكناً داخلياً للطلبة.
من خلال هذا الحوار نحاول أن نستكشف معالم «مشروع: المدارس التعليمية العُمَانية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحديث» ، وذلك من خلال الحديث مع د. سعيد بن راشد الصوافي رئيس المشروع، لنتبين أهم الملامح لهذه المدارس، وما هو المنهج الذي اتبعه هذا المشروع، والرؤية التي يحاول أن يطرحها، والمحتوي الذي سيقدمه للباحثين عن المعرفة التاريخية في هذا المجال، والصعوبات التي واجهها فريق العمل في إنجاز هذا المشروع.

■ ما محتوى المشروع ومضمونه؟

يحوي هذا المشروع أهم المدارس التعليمية العمانية منذ القرن الأول حتى العصر الحديث، ولا يعني هذا أننا سنحيط بجمع هذه المدارس، ولكننا سنأخذ مدارس نموذجية، والحقيقة أن كل المدارس التعليمية العمانية مهمة لكن من الصعوبة بمكان أن نتناولها كلها، فالمجال رحب وواسع وكبير، ويحتاج إلى جهود كبيرة، ونتمنى أن نواصل هذا العمل في المستقبل أو أن يسير الباحثون بعدنا لتكملة العمل. فهذا المشروع يُعد نواة يبني عليها الباحثون والدارسون الذين يأتون بعدنا، فمفردات هذا المشروع غنية وثرية تحتاج إلى تضافر جهود مستمرة حتى يظهر بصورته المتوخاة.

■ كيف جاءت فكرة المشروع؟

الساحة العمانية غنية بمفردات بكر تحتاج إلى سواعد الباحثين والمثقفين لإبرازها، وإخراجها للناس، ومن بين تلك المفردات؛ التراث العلمي والفكري الذي خلّفه العمانيون في شتى المجالات العلمية والفكرية والثقافية، والواجب يحتم علينا أن نقوم بدورنا في إظهاره وإبرازه للاستفادة منه من ناحية، ولتعريف الناس به من ناحية أخرى. في هذا الإطار جاءت فكرة هذا المشروع المهم.

■ ما أهداف المشروع ؟

يهدف هذا المشروع إلى القيام بتوثيق المدارس التعليمية العمانية منذ بداية تأسيس المدارس في الإسلام، بداية من القرن الأول الهجري، والتعريف بها، وبيان مدى إسهامها في الحضارة الإسلامية، ومدى قيامها بإمداد الساحة العلمية والثقافية والفكرية الإسلامية بالمؤلفات المتخصصة، ومدى تلبيتها لمتطلبات المجتمع العماني في مختلف العصور؛ تمهيداً للخروج بنتائج تُساعد الباحثين والمهتمين بالناحية العلمية والثقافية، وتُقدم بعض التوصيات التي من شأنها الاستفادة منها في الحاضر والمستقبل.

■ من المؤكد أن هناك أهدافاً بعيدة
لهذا المشروع ؟

نعم هناك أهداف بعيدة يرمي إليها هذا المشروع تتمثل في فتح آفاق جديدة للبحث في مجال نظم التعليم ومؤسساته في السلطنة. وتقديم مادة علمية قائمة على منهجية علمية يمكن الاستفادة منها في المناهج الدراسية في المراحل المختلفة. كما أنها تعزز مكانة العلم ودور العلماء العمانيين وإسهاماتهم في الحضارة العمانية والعالمية في نفوس الناشئة.

■ ما أهمية المشروع ؟

إن مثل هذا المشروع جدير بالاهتمام لأنه يوثق أهم المنجزات الثقافية المتمثلة في الحركة العلمية في سلطنة عمان، فالمدارس التعليمية تُعدّ الرافد الأساسي للكوادر المتخصصة في مختلف العصور. كما أنها ركيزة أساسية بالنسبة للمجتمع العماني، باعتبارها رصيداً تاريخياً لمسيرة التعليم في السلطنة. وأهمية هذه الدراسة تكمن أيضاً في نقص الدراسات التي تُعنى بتوثيق هذه المدارس، والبحث عن واقعها وتقييمها. وستسهم هذه الدراسة في تقديم المعلومات، وتوفير البيانات للقطاعات الحكومية والمجتمعية. وسيمثل هذا المشروع نواة لدراسات مستقبلية في هذا المجال. كما أن هذه الدراسة تنسجم مع الاهتمام المتزايد من قبل واضعي السياسة بالسلطنة حول الاهتمام بالبحث العلمي ودفع عجلته كأحد ركائز التنمية الشاملة. ومن المؤمل أن تكشف هذه الدراسة عن أهمية الدور الذي قامت به المدارس التعليمية العمانية مقارنة بمثيلاتها في العالم الإسلامي.

■ ما المعايير التي اعتمدتموها
في اختيار هذه المدارس؟

في الحقيقة إن المدارس التعليمية العمانية كثيرة جداً وتبلغ المئات إن لم تكن الآلاف. خاصة ونحن نتكلم عن 14 قرناً من الزمان. ومعروف عن عمان اهتمامها بالعلم وكثرة العلماء، ولذلك كثرت فيها المدارس التعليمية. هذا بجانب مدارس تعليم القرآن الكريم التي لا تخلو منها قرية من القرى العمانية، وإن كان المشروع لا يتعرض لمدارس تعليم القرآن الكريم، فهي مجال واسع وتحتاج إلى مشروع مستقل.
وفي الاجتماع الأول لأعضاء لجنة إعداد المشروع تم الاتفاق على معايير معيّنة في اختيار المدارس التي ستنطلق منها اللجنة في دراستها، تمثلت في الآتي: شهرة الشيخ المؤسس لكل مدرسة وغزارة علمه وكثرة طلابه ومريديه. مخرجات المدرسة من العلماء الذين كان لهم دور بارز في الحياة العلمية والاجتماعية. وأثر المدرسة في الساحة العلمية من حيث جودة مخرجاتها من الكوادر المؤهلة. وأيضاً نتاج المدرسة وما خلّفته من تراث فكري وحضاري أثرى الحياة العلمية والسياسية والاجتماعية في عمان.

■ ما المنهج الذي اتبعتموه
في تناول هذه المدارس؟

اتفقت لجنة الإعداد على منهج موحَّد في إعداد هذه المدارس، وهي: أولاً: التعريف بصاحب المدرسة، ثم التعريف بالمدرسة: مكانها، تاريخها، التمويل، هل بها سكن داخلي؟ هل يتوفر مقر للمدرسة أم أنها بالمسجد؟ أو ببيت الشيخ ، وهل استمرت بعد مؤسسها؟ وأيضاً نظام المدرسة: نظام الدراسة، المواد الدراسية، فئة الطلاب، التعريف بمخرجات المدرسة (أشهر طلابها) والتعريف الموجز بهم وبمؤلفاتهم وآثارهم. وأخيراً إبراز أثر المدرسة في الساحة العلمية والاجتماعية.

■ هل كل هذه المدارس كان مقرها في عمان؟

نعم الأصل هكذا أن يكون مقر جميع المدارس عمان، باستثناء مدرسة الإمام جابر بن زيد كان مقرها البصرة بالعراق، لكن مؤسسها وكثير من طلابها كانوا من عمان بحكم الصلات العلمية والحضارية بين البلدين، واستقرار كثير من العمانيين هناك، ثم إن هذه المدرسة هي باكورة قيام المدارس التعليمية العمانية باعتبارها الأم لهذه المدارس، فطلبة مدرسة الإمام جابر بن زيد هم حملة العلم إلى عمان، الذين قاموا بتأسيس المدارس التعليمية في عمان، ثم انتشرت في أرجاء القطر العماني، ولا نبالغ إن قلنا إن السلسلة العلمية العمانية ترجع إلى أصل مدرسة الإمام جابر بن زيد.
■ لو تفصل لنا الحديث عن أول مدرسة رصدها المشروع في القرن الأول الهجري؟

أول مدرسة رصدها المشروع وهي أم المدارس العمانية هي مدرسة الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني الذي رحل إلى البصرة واستقر بها وتنقل بين العراق والحجاز وتتلمذ على أشهر الصحابة علماً وأسس مدرسته الشهيرة بالبصرة ووفد إليه طلاب العلم من أقطاب العالم الإسلامي. فمدرسته التي تأسست في العراق في القرن الأول الهجري، هي نواة المدارس العُمانية التي أسسها خريجو هذه المدرسة فيما بعد، واستمرت سلسلة المدارس التعليمية عبر القرون المتعاقبة.
وأضيف هنا أيضاً أن آخر مدرسة رصدها المشروع هي مدرسة الشيخ حمود بن حميد الصوافي بمنطقة المغدر بسناو وهي امتداد لسلسلة المدارس التعليمية العمانية بداية من مدرسة الإمام جابر بن زيد. وهذه المدرسة أصبحت عالمية؛ إذ يتوافد إليها طلبة العلم من قارات مختلفة وأجناس متنوعة. وخرّجت كوادر مؤهلة أخذوا مواقعهم في مجال العمل. وما زالت المدرسة تواصل مسيرة المدارس التعليمية العمانية بطبيعتها التقليدية مع وضع اللمسات الحديثة لمواكبة العصر.

■ ما الصعوبات والتحديات التي
واجهتكم في إعداد المشروع؟

بالنسبة للصعوبات والتحديات فإنها كثيرة، أهمها ما يعانيه الباحثون في التاريخ العماني عموماً من قلة المصادر التاريخية وشحها في مجال الكتابة عن الشخصيات العلمية، فلا تكاد تجد المعلومات الوافية عن شخصية من الشخصيات إلا نادراً وبصورة بسيطة، مع أن التاريخ العماني حافل بتراث ضخم في جميع نواحي الحياة؛ العلمية والفكرية والسياسية والاجتماعية، وغيرها، لكنه للأسف الشديد لم يُوفَّ حقه من التوثيق والعناية. ولكن بذلنا جهدنا في استخراج المعلومة من المصادر المختلفة. أضف إلى ذلك أن المجموعة البحثية التي تعمل في هذا المشروع غير متفرغين، وإنما على رأس عملهم الأكاديمي الذي يأخذ جل وقتهم. وأحياناً يتطلب البحث السفر إلى محافظات خارج مسقط لجمع المعلومات والمصادر، مثل السفر إلى محافظة ظفار والالتقاء ببعض مشايخ العلم والباحثين.
■ من هم أعضاء لجنة إعداد المشروع

نظراً لأهمية التكامل المعرفي بين التخصصات المختلفة فقد تم التنسيق وتشكيل المجموعة البحثية من عدة جهات؛ مما يضمن تفعيلا عمليًا للنتائج التي يمكن أن تسفر عنها الدراسة. وقد تشكلت المجموعة من: محدثكم سعيد بن راشد الصوافي: الأستاذ المشارك بقسم العلوم الإسلامية بكلية التربية جامعة السلطان قابوس. والدكتور محسن بن ناصر السالمي الأستاذ المشارك بقسم المناهج والتدريس بكلية التربية، جامعة السلطان قابوس. والدكتور مسلم بن سالم الوهيبي الأستاذ المشارك بقسم المتطلبات العامة بكلية العلوم التطبيقية بنزوى، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية. وخلفان بن سالم البوسعيدي مشرف مادة التربية الإسلامية بقسم التربية الإسلامية، وزارة التربية والتعليم.

■ من الجهة الممولة للمشروع؟
وما مدته؟ وهل سيتم نشره؟

الجهة الممولة هي كلية التربية بجامعة السلطان قابوس، فلهم منا كل التحية والتقدير والاحترام على دعمهم للبحث العلمي، وخاصة مثل هذه المشاريع التي تتعلق بدراسة وتوثيق مسيرة التعليم في سلطنة عمان.
مدة المشروع في الأساس ثلاث سنوات ولكن لحجم المشروع والصعوبات مع عدم تفرغ أعضاء المجموعة مددنا سنة رابعة، والآن نحن في الأشهر الأخيرة من عمر المشروع، فقد بدأ المشروع منذ عام 2017م.
و سيصدر المشروع بإذن الله في كتاب، كما أنه تم نشر مجموعة من المدارس من ضمن المشروع في مجلات دولية مُحكمة في دول متعددة من العالم العربي، وذلك للتعريف بهذه المدارس خصوصاً وبالتراث الثقافي والعلمي عموماً.
نحن نتفيأ الآن احتفالات السلطنة بنوفمبر المجيد.. كيف ترون مسيرة المدارس التعليمية في هذا العصر الزاهر؟
عمان بحمد الله حباها الله رصيداً وافراً من التراث العلمي والحضاري الذي يحق لها أن تفخر وتفاخر به، فالرصيد التاريخي العلمي أعطاها دافعاً قوياً نحو التقدم والرقي. فالمسيرة العلمية متواصلة بحمد الله. وفي هذا العصر الزاهر أزهرت ينابيع الخير وانهلت سحائب الإنجازات العلمية والتعليمية في هذا البلد المعطاء، فأصبح التعليم يواكب التقدم المعاصر، وفتحت المجالات المختلفة في التعليم والبحث العلمي، وفي مجال الابتكار والاكتشاف، لإدراك المسؤولين أنه لا نهضة إلا بالارتقاء بالمسيرة التعليمية. وما هذا المشروع إلا إحدى ثمار هذه المسيرة التعليمية التي تشجّع على العلم والبحث والاكتشاف. نسأل الله أن يتغمد روح باني نهضة عمان الحديثة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه ابن عمان البار الذي نقل عمان نقلة نوعية في جميع المجالات وأخصها المسيرة التعليمية، فقد كان المؤسس والباني والمطوّر. كما نسأله سبحانه أن يوفق سلطان البلاد جلالة السلطان هيثم بن طارق في مواصلة المسيرة الظافرة نحو التطوير والتحديث فعمان بإذن الله في عهده متجددة.
■ التراث الفكري العماني زاخر بالمكنونات التي تنظر من يجليها ويخرجها في دراسات وبحوث أكاديمية، ما المشاريع التي قمت بإنجازها في هذا المجال؟

نعم في الحقيقة في الآونة الأخيرة استهواني التراث العماني الفريد والغني بمفرداته البكر ويحتاج إلى من يستخرج كنوزه الدفينة، وتقع مسؤولية إظهار هذا التراث على عاتق المثقفين والباحثين العمانيين، فلا ننتظر من أحد أن يقوم بهذا الدور. وكانت انطلاقتي في هذا الإطار حيث بدأت في دراستي الدكتوراه بجامعة الزيتونة بتونس عام 2002م، وكانت دراستي حول منهج ابن بركة في علوم القرآن والتفسير، وقد حظي الإمام ابن بركة بنصيب وافر من اهتماماتي بالتراث العماني منذ تلك الفترة، وقد أصدرت ثلاثة كتب عن ابن بركة، هي: الإمام ابن بركة حياته وعصره وكتابه الجامع. وعلوم القرآن عند الإمام ابن بركة. ومنهج الإمام ابن بركة في التفسير، وتم نشرها بداية هذا العام. كما شاركت بمشروع ممول من الجامعة في بحث حول الاجتهاد والتجديد عند الإمام ابن بركة. وشاركت في مؤتمر دولي بماليزيا عام 2019م بورقة بحثية عن جهود الإمام ابن بركة في علوم القرآن الكريم. ومن ضمن اهتماماتي بالتراث المشاركة بورقة بحثية في المؤتمر الدولي: العمارة العمانية التراثية واستدامتها بجامعة السلطان قابوس. عنوان الورقة: البُعد التاريخي والحضاري والاجتماعي للعمارة العُمَانية (حارة الصواوفة أنموذجاً). وهذا المؤتمر تم تأجيل انعقاده بسبب الظروف الحالية لجائحة كورونا كوفيد 19. وبإذن الله أنا ماض في هذا النهج وأسأل الله التوفيق.