نيبال تزهو بنجاح أول مهمة علمية لحل الخلافات العالمية حول ارتفاع جبل إفرست

كتماندو “د ب ا”: – عند الوصول إلى قمة جبل إفرست، يقوم المتسلقون عادة بالتوقف لتصوير أنفسهم والتلويح بأعلام بلادهم، أو يكتفون بمجرد التطلع لجبال الهيملايا المهيبة. غير أن كهيم لال جاوتام وهو مساح يعمل لدى الحكومة النيبالية، لم يكن لديه ترف الوقت لكي يمنح إعجابه وتقديره للمناظر الطبيعية المحيطة به، عندما وصل إلى قمة العالم عام 2019. وقتها انطلق هو وأفراد طاقمه الأربعة مباشرة للعمل، عندما وضعوا أقدامهم على القمة في الساعات الأولى من 22 مايو من العام الماضي. ووضع الفريق جهازا للرادار وأجهزة ملاحية، وغيروا البطاريات وجمعوا بيانات لقياس ارتفاع أعلى جبل في العالم، على الرغم من نقص الهواء وانخفاض الحرارة إلى 43 درجة تحت الصفر. وأدت هذه العملية إلى فقدان جاوتام لإصبع قدمه بسبب الصقيع، بينما واجه مساح آخر يدعى رابين كاركي الموت، بعد أن نفد منه الأوكسجين عند القمة الجنوبية على ارتفاع 8600 متر. وقال جواتام في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.ا)، “لم يكن ثمة أحد عندما وصلنا إلى القمة، ولكن جاء بعد ذلك وذهب أكثر من 100 شخص أثناء قيامنا بالعمل”. وكانت هذه المهمة تمثل أهمية بالنسبة لجواتام وزملائه، حيث إنها مكنت نيبال من الإعلان عن قدر ارتفاع جبل إفرست لأول مرة في تاريخ البلاد، وذلك استنادا إلى البيانات التي جمعها الفريق. وهذا يعني أن نيبال التي يوجد بها جبل إفرست، يمكنها أخيرا أن تحل النزاع المستمر منذ فترة طويلة حول الارتفاع الدقيق لأعلى جبل في العالم. بينما يقول براكاش جوشي المدير العام لإدارة المساحة النيبالية “استكملنا بالفعل العمل في القطاع التابع لنا من الجبل، ولا نزال ننتظر أن تكمل الصين العمل في القطاع التابع لها منه، ثم ستعلن الدولتان بشكل مشترك الارتفاع الدقيق للجبل قريبا”، وأوفدت الصين المساحين التابعين لها إلى الجبل في مايو الماضي، وهي المهمة الوحيدة التي أرسلت إلى جبل إفرست في 2020 بسبب جائحة كورونا. وقام فريق جواتام بقياس ارتفاع جدار الصخور وارتفاع الجليد بجبل إفرست، باستخدام “نظام الإبحار العالمي بالأقمار الاصطناعية”، المعروف اختصارا باسم (جي.إن.إس.إس.)، إلى جانب جهاز رادار تخترق نبضاته القشرة الأرضية، ثم الماسحات الضوئية وشاشات المراقبة والهوائيات، وهي كلها أجهزة حملوها معهم. وهذه هي المرة الأولى التي يصل فيها مساحون من نيبال إلى قمة الجبل لقياس ارتفاعه. وبينما تعترف نيبال بالرقم الرسمي لارتفاع جبل إفرست وهو 8848 مترا، تمشيا مع الدراسة المساحية التي أجرتها الهند في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، فإن مدى ارتفاع الجبل ظل أحد نقاط الخلاف بين دول العالم، على الرغم من أنه تم قياسه تسع مرات من جانب حكومات ومنظمات مختلفة. وبالنسبة لنيبال كانت هذه المهمة متعلقة بالكبرياء الوطني، حيث كانت هذه الدولة تعتمد حتى الآن على مقاييس من جهات خارجية. ومن ناحية أخرى تمثل هذه المهمة أهمية من زاوية أخرى، وهي احتمال أن يكون الارتفاع قد تغير نتيجة التحولات التدريجية المتعلقة بتغيرات القشرة الأرضية، أو بسبب الزلزال الذي ضرب نيبال عام 2015. كما يتراجع حجم الجليد الذي يكسو قمة إفرست نتيجة التغير المناخي، ومن ناحية أخرى تسهم الأتربة القادمة من بعض أكبر الصحراوات في العالم في الذوبان السريع لكتل الثلوج بالهميلايا، وفقا لما أشارت إليه دراسة حديثة. ويرى راجان بهاكتا كاياستا الخبير في علم الجليد الخاص بالهميلايا بجامعة كتماندو، أنه لم تكن هناك أبحاث كافية حول تأثير التغيير المناخي على قمم الجبال التي تعلو عن ثمانية آلاف متر. ويقول: “إلى جانب ذلك فإن الأتربة القادمة من الصحراوات، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة من بينها الانبعاثات الكربونية من الصناعات وحرق الأخشاب، واستخدام روث الماشية الجاف كوقود، تؤثر كلها سلبا على حجم الجليد”. ويضيف “في الحزام الأعلى من الجبل يحدث نوع من التبخر للجليد بمعدلات أسرع، بسبب درجة الحرارة المرتفعة وقرب المنطقة من الشمس”. وكانت نيبال تخطط في البداية لقياس ارتفاع إفرست بمفردها، ولكن عندما قام الرئيس الصيني شي بينج بزيارتها عام 2019، اتفقت الدولتان على أن يعلنا بشكل مشترك الارتفاع استنادا إلى أبحاثهما. وكان يتعين على جواتام “36 عاما” أن يقنع أسرته بالسماح له بالانضمام إلى البعثة، حيث إنها كانت تشعر بالقلق إزاء ما تحمله المهمة من مخاطر. غير أن جواتام وقع بالموافقة على الانضمام برغبته المحضة، حيث إنه سبق له وأن تسلق جبل إفرست عام 2011، وكان أول موظف مدني نيبالي يحقق هذا النجاح. ويقول جواتام “لم أستطع مقاومة قبول المهمة، لأنني وجدت نفسي مدفوعا بشعور من الالتزام بأن أفعل شيئا لبلدي. وإذا كانت مدة المهمة التي استغرقت 42 يوما من بين أكثر الفترات صعوبة وفخرا في حياة جواتام، فإنها ارتبطت أيضا بخسارة شخصية كبرى، فقد علم فيما بعد أن زوجته تعرضت لولادة مبكرة مما أسفر عن فقدانهما لأول طفل لهما، مما جعلهما يشعران بالحزن البالغ. ويعود جواتام بذاكرته إلى هذه الأيام ويقول، قد يكون السبب في فقدان الطفل هو التوتر أو عوامل أخرى، ويضيف “غير إن كثيرا من أفراد عائلتي لا يزالون يعتقدون أنه كان يمكن تجنب هذا الحادث المؤسف لو أنني بقيت في المنزل”، كما أنه فقد إصبعا بقدمه بسبب الصقيع بعد أشهر من العلاج الطويل والمكلف وغير الناجح بالمستشفى. ولقيت هذه المهمة تغطية واسعة من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، غير أن جواتام يقول إنه لا يستحق الشهرة وحده، ويضيف إن “ميسي لم يكن يستطيع أن يحقق شهرته الحالية في الملاعب بدون وجود فريق جيد معه، وهذا الأمر ينطبق علي، فما كانت مهمتنا لتنجح لولا وجود فريق عمل رائع”.