صفحة من كتاب..سامي الجمعان… يدرس (خطَابُ أَيَّام الشّارقة المسرحية من التَشَكُل إلى التَحَوّل)

د.عزة القصابي
قام الباحث الدكتور سامي الجمعان في كتابه: (ِخطَابُ أَيَّام الشّارقة المسرحية من التَشَكُل إلى التَحَوّل.. قراءة في مسيرتها خلال ربع قرن) بانتقاء عينة زمنية لدراسة ” أيَّام الشارقة المَسْرَحيّة” بوصفها ” تظاهرة مسرحية ثقافية تُقام في إمارة الشارقة، تتزامن مع الاحتفال بيوم المسرح العالمي من كل عام”. إن المتابع لأيَّام الشارقة المَسْرَحيّة يجد أنها تحفل بالكثير من المنجزات الثقافية والمسرحية على المستويين المحلي والخليجي، إضافة إلى أنها ترفد المسرح العربي بالكثير من العطاءات التي تُحسب للحركة المَسْرَحيّة العربية، أهمها استقطاب مبادرات العروض المَسْرَحيّة العربية المميزة، والإفادة من الكفاءات المَسْرَحيّة العربية على مختلف الأصعدة. دونما شك، أن أيام الشارقة المسرحية أحرزت تميزا لتوفر فيها عدة عوامل على رأسها عبورها نصف قرن من الزمن، حتى تحولت إلى جزء أصيل من الإرث المَسْرَحيّ العربي وفق “رؤية تنظيمية متواصلة، أوجدت للأيَّام ثوابتَ فلسفيةً، وقوانين تنظيميةً، على درجة عالية من الدقة، والوضوح والتطور”. ويبرر الباحث سامي الجمعان أسباب انتقائه لهذه التظاهرة المسرحية في كونها عينة ثابتة ومستمرة ومتطورة للنهوض بالكاتب الإماراتي والعربي، لذا يمكن اعتبارها نموذجا لا تمثل التجربة المسرحية الإماراتية فحسب، ولكنها تتجاوز الحيز الجغرافي على مستوى الخليج والوطن العربي.سعى الباحث في دراسته هذه إلى اختيار فترة زمنية (1984 -2016) لكونها فترة زاخرة بالإبداع والتألق في العطاء للمبدعين الخليجين والعرب، واهتمت بإبراز الأقلام المسرحية التي تتألق في سماء الإبداع المسرحي. ويعود الاهتمام بالحياة المَسْرَحيّة الإماراتية والعربية إلى إرشادات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة “الذي أصرّ على بناء الإنسان ثقافيًّا، مع استخدام الوسائل المتنوعة والمتعددة من أجل ذلك”. وانطلق ذلك الهدف من دائرة الثقافة والإعلام التي سعت جاهدة إلى تَبنِّي هذه المبادرة ورعايتها تنفيذا وإشرافا. وقام الجمعان في كتابه هذا بتحليل الخطاب في النصوص المَسْرَحيّة للكاتب الإماراتي عبر دورات أيَّام الشارقة المَسْرَحيّة بصورة علمية للنصوص المختارة، مع تطبيق المنهج العلمي المناسب للدراسة عليها. ويذكر الباحث الجمعان مسوغات دراسته لأيَّام الشارقة المَسْرَحيّة تكمن في استمرارية هذه الأيام حتى وقتنا الراهن، وإن سر نجاحها ينبثق من السياسية القاسمية التي انتهجتها دائرة الثقافة والإعلام في الاهتمام بالمسرح والثقافة، ورصد الدعمين المادي والمعنوي لتنفيذ استراتيجيات بعيدة المدى هدفها الاهتمام برعاية المنتج الفني والثقافي. ويشير الباحث السعودي سامي الجمعان إلى أن الاهتمام المتواصل والدؤوب على مدى سنوات، ساعد على إحداث نقلة مسرحية نوعية في الخطاب المَسْرَحي الإماراتي و الخليجي، وكان ذلك سببا في بروز أقلام مسرحية متفردة، مثل : سالم الحتاوي، وناجي الحاي، وإسماعيل عبدالله، وأحمد بورحيمه، وعبدالله صالح، ومرعي الحليان، وعمر غباش، ومحمد سعيد الضنحناني، وجمال مطر، وجمال سالم، ومحمد العامري، وعبدالله مسعود، وعلي جمال، وعبدالله زيد، وحميد فارس، وغيرهم كثير. وهذا يؤكد على أن الجهود المبذولة من الجهة المنظمة دائرة الثقافة والإعلام، التي تدعم الحركة المسرحية والكاتب “بتوفير لهم مقومات النجاح وأسباب التألق، إيمانا منها بجدوى وتأثير هذا الفن”. وهذا بدوره يسهم في إثراء التجربة المسرحية والارتقاء بالخطاب المَسْرَحيّ الإماراتي لتضمنه ثيمات ومقولات شَغلت الكاتب المَسْرَحيّ الإماراتي، وشكلت مقولات خطابه المَسْرَحيّ لديه. وهناك ثلاثة أساليب منهجية إحصائية اعتمد الباحث سامي الجمعان عليها عند إعداد جدولة للتوصل إلى نتائج مرضية توضح ملامح الخطاب المَسْرَحي في مسيرة أيَّام الشارقة المَسْرَحيّة، تشمل الجدولة (اسم المؤلف، اسم الفرقة، اسم المخرج)، يلي هذه الخطوة الحصر الكمّي الإسهامات الكاتب المَسْرَحيّ الإماراتي، وإسهامات الكاتب المَسْرَحي غير الإماراتي. وأن هناك جدولتان تختصان بالمضمون الخطابي للنصوص المختارة؛ جدولة عناوين نصوص، وجدولة (الثيمات) الموضوعاتية. وجميع ذلك جعل الباحث يصل إلى مرحلة تحليل الخطاب المسرحي الإماراتي في حالة التشكُّل والتَّحول، وهي المرحلة التطبيقية للدراسة بحث في كيفية تشكُّل وترصد تحولات الخطاب خلال مسيرته، وإسهامه في ترسيخ كيانه، وحضوره الفاعل ثقافيًّا واجتماعيًّا. وأشار الباحث سامي الجمعان إلى أن ذلك يتقارب مع تحليل الخطاب الأدبي: البنية الكبرى، بمعنى النظر إلى الخطاب بوصفة وحدة كبرى “ما دفعنا للتوجه منهجيًّا إلى تقسيم مسيرة ربع قرن من أيَّام الشارقة المَسْرَحيّة إلى أطوار ثلاثة، فنحن في الوقت نفسه ننظر إليها بوصفها وحدات صغرى لبنيةٍ كبرى . وأضاف إلى إنه يسعى في هذه الدراسة إلى ” تفكيك بُنى الخطاب، رابطة إياها بما يُعضدها من الخارج في عملية دينامية: نفسية وفكرية، للوقوف على طاقات الخطاب ، والنظر إلى صاحب الخطاب وما يهدف إليه، والموضوع الذي كان لأجله الخطاب، والمقام الذي تتم فيه عملية التواصل، وطبيعة الوسيلة المستخدمة وشكلها”. وأكد الباحث السعودي أن جميع ذلك، قاده إلى قياس مدى تنامِي الوعي الكتابيّ لدى الكاتب المَسْرَحيّ الإماراتي عند دراسة التجارب الكتابية واكتشاف الموهبة الكتابية وقدرتها على الصمود أو الانسحاب والتلاشي، وهذا كفيل بقياس خطاب التجربة الكتابية ودورها في خلق خطاب مسرحي شمولي للمسرح الإماراتي. وأشار الكاتب إلى أن هناك مجموعة من النتائج حول طبيعة الخطاب في النص المسرحي الإماراتي في أيام الشارقة المسرحية، منها تضمنها على مقولات وأطروحات فكرية عميقة تناقش العديد من القضايا، وتبرز الكفاءات الكتابية الإماراتية. ولا تقتصر الموضوعات المطروحة على القضية المحلية، لكنها تشمل القضايا الإنسانية. وأشار الباحث الجمعان أن ذلك التنوع الفكري الذي أنجزه خطاب أيَّام الشارقة المَسْرَحيّ، لم يأت من الفراغ، ولكنه جاء نتيجة لجهود مؤسسية واعية وخطط استراتيجية مدروسة نابعة من دعم رسميّ كبير، وعناية حكومية فائقة من حاكم الشارقة على وجه الخصوص سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي أولى هذه التظاهرة رعاية خاصة حتى بلغت ما بلغته من نجاح. وختاما، ذيل الباحث السعودي الدكتور سامي الجمعان صفحات كتابه بالحديث عن مستقبل الخطاب المسرحي الإماراتي. وأشار إلى أن أهم خصائص المتوقعة للكتابة المسرحية في ضوء الموضوعات الأكثر بروزا خلال الدورات التي توالت بعد الدورة السادسة والعشرين لأيام الشارقة، مثل تنامي الاهتمام ببعض القضايا الاجتماعية والميل للكتابة باللغة العربية الفصحى . ونود التأكيد على أن هذا الكتاب من البحوث النوعية في مجالي الكتابة المسرحية والأدبية الخليجية، والذي بحث في التشكلات والتحولات في الخطاب المسرحي ، وتوصل إلى نتائج تثري المشهد المسرحي الخليجي وهو إضافة معرفية للمكتبة الخليجية والعربية على حد سواء.