الجائحة ستغير اقتصاد العالم .. سلبياتها وإيجابياتها

هنري كير- الإيكونومست
ترجمة: قاسم مكي

تقول نظرية “البجعات السوداء”: إن أحداثا جساما لا يمكن التنبؤ بوقوعها تلعب دورا أكبر بكثير مما يدركه معظم الناس. (البجعة السوداء استعارة يُقصَد بها حدث نادر جدا وغير متوقع وتترتب عنه آثار جسيمة. وهي مستمدة من اعتقاد سبق أن ساد في الغرب بأن كل البجعات بيضاء إلى أن اكتشف أحد المغامرين وجود بجعات سوداء في استراليا عام 1697 – المترجم)
قبل فترة طويلة من عام 2020 خشي العلماء من أن مرضا تنفسيا حيواني المصدر قد يبدأ في آسيا وينتشر عالميا. لكن لم يتوقع أي أحد تقريبا نتائج ذلك. المراجعة العفوية لمعظم البيانات الاقتصادية ستقول لنا: لم يحدث شيء يذكر لعقود. ثم في عام 2020 قلب كوفيد- 19 كلَّ شيء، رأسا على عقب.

كوفيد -19 يقلص 8% من إنتاج العالم
قبل العام الحالي، كانت الافتراضات الأكثر تعقيدا تشير إلى أن جائحة مماثلة للإنفلونزا الإسبانية في عام 1918 يمكن أن تقتل 71 مليون شخص حول العالم وتقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%. ويبدو أن عدد الوفيات من داء كوفيد –19 أقل بكثير من هذه التصورات. لكن الضرر المترتب عنه على الناتج الإجمالي أكبر. فحسب توقعات صندوق النقد الدولي في شهر يونيو، والتي من المتوقع تحديثها بعد نشر هذا التقرير، ربما سيكون إنتاج العالم بنهاية عام 2020 أقل بحوالي 8% من حجمه الذي يفترض أن يكون عليه لولا حلول الجائحة. فهو بدلا من أن ينمو بمعدل 3% سينخفض بحوالي 5%. وهذا أكبر انكماش منذ الحرب العالمية الثانية. بالمقارنة قلص “الانكماش العظيم” اقتصادَ العالم في عام 2009 بنسبة 0.1% فقط.

بطالة وفقر وإغلاق مدارس واكتئاب
كانت تداعيات الجائحة زلزالية. ففي فترة تراجع التوظيف إلى أدنى مستوى له في أبريل انخفضت نسبة الأمريكيين في سن 25 – 54 عاما ممن يشغلون وظائف لما يقرب من 70% لأول مرة منذ نصف قرن تقريبا. وفي الربع الثاني من العام فقد سُدس الشباب حول العالم وظائفهم. وتقول منظمة العمل الدولية أن ساعات العمل تراجعت بأقل من 25 % بالنسبة للبقية. وفي يونيو توقع البنك الدولي انكماش اقتصادات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل هذا العام لأول مرة منذ 60 عاما على الأقل. وسيدخل 89 مليون شخص في دائرة الفقر المدقع مما يعني ارتفاعا في نسبة الفقر بحوالي 15%. ومن المرجح أن تترتب على إغلاق المدارس لعدة شهور آثار تستمر لعقود قادمة. كما أضرت الإغلاقات بالصحة العقلية. فأكثر من 10% من الأمريكيين يقولون أنهم فكروا جديا في الانتحار.

تدخلات حكومية
حين أغلقت الصين “ووهان” في يناير أُعتُبر ذلك عملا يمكن أن تقوم به حكومة استبدادية ومتقدمة تكنولوجيا. ولوهلة لم يفكر علماء بريطانيا في الدعوة إلى الإغلاق لأنهم افترضوا أنه غير مناسب سياسيا. لكن استعداد كل الحكومات تقريبا لإغلاق اقتصاداتها إغلاقا تاما تقريبا كان واحدا من بين مفاجآت عديدة.
في البلدان الغنية قاد انتشار كوفيد – 19 إلى تدخلات حكومية غير مسبوقة في أسواق العمل ورأس المال. ففي أكبر خمسة اقتصادات في أوروبا تم إدراج 40 مليون عامل في برامج تسريح مؤقت عن العمل ممولة من الحكومة. وعززت أمريكا فوائد (تعويضات) البطالة إلى حد أنها فاقت أجور أكثر من ثلثي المطالبين بها. وعمليا دعم بنك الاحتياط الفدرالي السوقَ فيما يخص مديونية الشركات الأمريكية. وقدمت ألمانيا لشركاتها ضمانات قروض بقيمة تقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي.
لم تكن أي من هذه الإجراءات زهيدة الثمن. لقد ازداد الاقتراض الحكومي بشدة. ففي يونيو توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل إجمالي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة من 105% في عام 2019 إلى 132% بحلول عام 2021.
عزز العبء المتصاعد تدخلا ماليا جديدا. فموازنات البنوك المركزية تضخمت بإيجادها تريليونات الدولارات لمقابلة الدين الحكومي. والاتحاد الأوروبي يصدر جماعيا دَينا بحجمٍ ملائم لأول مرة لتمويل صندوقه الخاص بالتعافي الاقتصادي. والسياسات التي تعود إلى عقد مضى بعد الأزمة المالية وكانت تعتبر راديكالية في وقتها تبدو الآن غير ذات أثر.
في البداية كان يٌنظَر إلى الخطوات التي اتخذت في مواجهة الجائحة باعتبارها تدابير مؤقتة. في مارس قال بيتر هميلجارد، وزير التوظيف الدنماركي: “ما نحاول أن نفعله هو تجميد الاقتصاد”. من الممكن أن تدعي الدنمارك بأنها هي التي ألهمت البلدان الأخرى فكرة برامج التسريح المؤقت). وتشير التجربة بأن اقتصادات العالم الغني يمكنها فك تجميد اقتصاداتها بسرعة عقب زوال الكارثة. فبعد أن دمر إعصار كاترينا مدينة نيوأورليانز في أغسطس 2005 ارتفع معدل البطالة من حوالى 6% إلى أكثر من 15%. لكنه تراجع إلى أقل من 6% في فبراير 2006.
كذلك يبدو أن هذا الانكماش، رغم كونه الأشد وطأة في بعض البلدان، قد يكون الأقصر أيضا. ويوحي التدهور الذي حدث مؤخرا في معدل البطالة الأمريكية بأن أسوأ ما في الأزمة كان قصيرا، لحسن الحظ. لكن على خلاف الوضع بعد الإعصار، ليس هنالك مهرب إلى مناخ اقتصادي أفضل. فهذا التراجع، تماما كما كانت الحال بعد الأزمة المالية، لافتٌ في اتساعه وعمقه.
هذا ويستمر كوفيد 19 في انتشاره. ففي أثناء كتابة هذا التقرير (نشر في أوائل أكتوبر) ارتفع المتوسط المتحرك للإصابات لمدة سبعة أيام إلى مستويات قياسية. وشهدت أمريكا واستراليا جولتين مع الفيروس. وكانت فرنسا وأسبانيا وبريطانيا تستعد لموجة ثانية. ويتجه معدل الإصابات في الهند إلى أعلى. ولا يعلم أي أحد مدي انتشار كوفيد- 19 في بلدان العالم الفقير. ورغم تصاعد الآمال بالتوصل إلى لقاح ليس من المؤكد أنه سيكون آمنا وأيضا فعالا. مع ذلك قد تحاول الاقتصادات البحث عن سبل للتغلب على قيود التباعد الاجتماعي لسنوات قادمة.

تسارع طويل الأجل
لقد اتضح بقدر أكبر أن العديد من التحولات التي جاء بها كوفيد – 19 ستكون طويلة الأمد. ونرى (في الإيكونومست) أن الجائحة ستعزز القِوى التي كانت تفعل فعلها أصلا في اقتصاد العالم وستعجل بالتحولات في التجارة والتقنية والتمويل والسياسة الاقتصادية.
الأوضاع قبل الجائحة كانت تصوغها أكبر ثلاث صدمات اقتصادية شهدها القرن الحادي والعشرين وهي اندماج الصين في النظام التجاري العالمي والأزمة المالية وظهور الاقتصاد الرقمي. فمع ترك العمال الصينيين فقر الريف للعمل في المصانع تدفقت السلع الرخيصة غربا والأصول المالية شرقا مما ساهم في انخفاض التضخم وتدني سعر الفائدة وفقدان الوظائف الصناعية في العالم الغني. وأحدثت الأزمة المالية انهيارا في الطلب عزز من انخفاض أسعار الفائدة في تزامنٍ مع جمود حركة العولمة. وساهم صعود التقنية في تدهور المنافسة ووفرة أرباح الشركات وهبوط حصة العمل من الدخل القومي.
كوفيد-19 صدمة رابعة كبيرة. فالانهيار في الطلب يفوق كثيرا ذلك الذي أعقب الأزمة المالية العالمية. ربما يظل معدل الادخار مرتفعا لأعوام. ومن المرجح أكثر استمرار أسعار الفائدة المنخفضة بل وحتى السلبية. وهذا من شأنه أن يدعم أسعار الأصول في تزامنٍ مع ضعف الاقتصادات. كما أن الشركات أكثر إدراكا لمخاطر تمدد سلاسل التوريد وهشاشتها أيضا. وسيعزز كوفيد-19 الرغبة في جعلها قريبة من البلد الأم وتنويع مصادر التوريد. كما ستعجل الجائحة بالرقمنة. لقد تسارع تحول المستهلكين من الشراء من المتاجر إلى التجارة الإلكترونية واعتادوا على تلقي بعض خدمات الرعاية الصحية والتعليم عبر الإنترنت.
من جهة أخرى، ارتفعت بشدة أسعار أسهم بعض الشركات التكنولوجية العملاقة. وحتى بعد تدهور الأسعار في سبتمبر، حقق مؤشر بورصة نيويورك الخاص بأسهم شركات التكنولوجيا عائدا بنسبة 60% هذا العام وحتى تاريخه. وتبنت الشركاتُ العملَ عن بُعد بسرعة مذهلة وزادت من استثماراتها في التقنيات التي تيسِّر “الدوام” عن بُعد.

آثار جيوسياسية
ستشكل الجائحة نقطة تحول في السياسة والجيوبولويتيكا (الجغرافيا السياسية) والاقتصاد كذلك. وسيخرج العالم من عام 2020 إلى حقبة تنافس أشد ضراوة بين القوى العظمى. لقد صادف تفشي كوفيد-19 التوترات بين الصين وأمريكا وزاد من حدتها، إلى حد ما وساءت بأكثر مما توقع أكثر المراقبين تشددا قبل سنوات عديدة. والآن تشكل النزاعات التجارية، مع تركيزها الغريب على العجوزات التجارية ومشتريات فول الصويا، جزءا من المعركة الأوسع نطاقا بين البلدين. عملت الولايات المتحدة على دفع العالم لرفض تقنية الجيل الخامس الصينية وصعَّدت من إجراءات التدقيق في المستثمرين الأجانب وفرضت عقوبات لتقييد حصول الصين على تقنية شبه الموصلات. وهي تجبر “تيك توك”، الشركة الصينية الأكثر نجاحا في تصدير التكنولوجيا الاستهلاكية، على بيع نفسها.
لقد انهار الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة. ويسعى كلا البلدين إلى تنويع تجارتهما بعيدا عن بعضهما البعض. اقتصادا الصين وأمريكا متكاملان و(متدامجان) إلى حد يجعل من المستبعد فك ارتباطهما تماما. ولكن الآن تقترن روابطهما الاقتصادية قوية الأثر بشكوكهما المتبادلة والمتغلغلة.

الجائحة والسياسة الداخلية
من منظور السياسة المحلية في العالم الغني تمثل الجائحة تحديا للوضع القائم. وهي على خلاف الأزمة المالية ليست نتيجة خطأ من وول ستريت (شارع المال والأعمال في الولايات المتحدة). لكن تجاوُر ضعفِ الاقتصاد مع ارتفاع أسعار الأصول الذي نتج عن انخفاض أسعار الفائدة يمكن أن يستثير غضبا شعبيا، خصوصا إذا صادف بطالة متركزة وسط عمال قطاع الخدمات ضعيفي الأجور.
ستُطِيل أسعار الفائدة المنخفضة بقدرٍ كبير من أمد الإنفاق بالعجز وستتغير الطريقة التي تُحارَب بها الانكماشات الاقتصادية. أحد أسباب ذلك أن أسعار الفائدة القريبة من الصفر ستُبطِل تأثير السياسة النقدية، ولكن أيضا بسبب تجارب هذا العام المتعلقة بالتحويلات النقدية الواسعة النطاق للعائلات.
ستتوافر الرغبة وأيضا الشروط اللازمة لتيسير إعادة كتابة العقد الاجتماعي بطرائق كان العديدون يأملون في أنها قد تحل في أعقاب العولمة والأزمة المالية العالمية. وسيكون السؤال هو: هل السياسة في الوقت الحاضر قادرة على أداء هذه المهمة، أم أنها مُقَدَّرٌ لها تحويل مجرى السخط والتغيير إلى جولة أخرى للشعبوية التي تنظر إلى الخلف؟ تعتمد ماهية التغييرات الضرورية على إدراك حجم التحول الاقتصادي الهيكلي الذي من المرجَّح أن تأتي به الجائحة. وتبدأ الحكاية بالتجارة.