الاعتبار السياسي للولايات المتحدة

محمد جميل أحمد –

إذا جاز لنا التعريف بالسلب للدلالة على النقيض فيما يخص الاعتبار السياسي للولايات المتحدة في العالم، فلن نجد مثالًا معبرًا عن ذلك أكثر مناسبةً من السنوات الأربع لإدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب التي انتهت بهزيمته في الانتخابات مؤخرًا.
ذلك أن ما فعله دونالد ترامب خلال السنوات الأربع من ولايته؛ من تشكيك بهوية الولايات المتحدة ولاعتبارها العالمي، كان يعكس في الوقت ذاته نقائض كثيرةً لا يستقيم أي تعريف موضوعي للولايات المتحدة إلا بعكس ما فعله هذا الرجل تمامًا!
فالشعار الشعبوي: «أمريكا أولًا»، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والانسحاب من اليونسكو، وكذلك من منظمة الصحة العالمية، كان يعكس هوية مضادة لهوية الولايات المتحدة، بدت معها أمريكا كما لو أنها دولة معزولة، وكأن أفعاله الخطيرة تلك لا تنعكس على العالم بآثار سلبية مدمرة.
فمن العولمة، إلى الناتو، إلى الشرق الأوسط، إلى روسيا، كانت سياسات ترامب في هذه الملفات كلها كما لو أنها سياسات دولة معزولة، وأثرت تأثيرًا سلبيًا ضارًا.
حين يقول ترامب «أمريكا أولًا»؛ كيف يمكن التفكير في عالم أصبح معولمًا في أجزاء أساسية منه بفعل نمط التفكير والحياة الأمريكيين؟
وحين يمتحن ترامب العلاقات الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي، ويشكك في جدوى أقوى حلف سياسي عسكري في العالم (الناتو)؛ فإن الذي يتبادر إلى ذهن المراقب لا يفضي به إلا للظن بأن ما حدث في الولايات المتحدة بولاية الرئيس ترامب هو بالفعل انقلاب خطير يهدد صورة أمريكا في العالم.
إن الاعتبار العالمي للولايات المتحدة يكمن في النموذج الوحيد الذي يعكسه نظامها كديمقراطية كبرى وحيدة ومؤثرة في العالم ليس فقط بقوتها السياسية والتكنولوجية والعسكرية فحسب، بل وكذلك بقوتها الناعمة التي لا تضاهيها قوة في العالم الحديث!
ولأن اهتزازًا كاهتزاز الولايات المتحدة الذي بدأ مع ترامب منذ أربع سنوات، هو أمر غير عادي في سياسات أمريكا خارج أمريكا، فإنه كذلك سيبدو اليوم أكثر غرابة في التقاليد الديمقراطية داخل الولايات المتحدة مع تشكيك الرئيس دونالد ترامب في نتائج الانتخابات عبر تغريداته الغريبة!
هل كان العالم بحاجة إلى إدارة أمريكية مثل إدارة ترامب لكي يدرك معنى الاهتزاز الخطير الذي يمكن أن يصيب موازين القوى فيه؟
وهل يظن ترامب أن مفهوم «بلاد العزلة السعيدة» الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة، قبل دخولها الحرب العالمية الثانية، والنتائج الخطيرة التي أصبحت بموجبها القوة الكبرى في العالم، إلى جانب الاتحاد السوفيتي، بعد تلك الحرب، سيكون مفهومًا أكثر ملائمةً لأفكاره الأوتوقراطية عن هوية الولايات المتحدة؟ ناهيك عن الحرب الباردة، وثورة الاتصالات والمعلوماتية التي سرعت من وتيرة العولمة؟
هكذا سنجد أن هذه التساؤلات اليوم ستعكس لنا إلى أي مدى كشفت إدارة ترامب عبر سياساتها الشعبوية الخطيرة كم يحتاج العالم إلى الولايات المتحدة.
لكل ذلك؛ فإن ما يجري في الولايات المتحدة اليوم بين الجمهوريين والديمقراطيين (بعد الزلزال الترامبي الذي أصاب الحزب الجمهوري) هو في حقيقته صراع على صورة أمريكا واعتبارها الرمزي في العالم بالأساس.
والمفارقة هنا؛ أن ثبات هذه الصورة وحيثيتها الموضوعية ترتبط ارتباطًا جدليًا بالداخل والخارج في أمريكا، فتلك الحيثية للولايات المتحدة لا يمكن أن تأخذ معناها إلا بذلك الشرط؛ فحين يمتلك رئيس أمريكي شعبوي كترامب يقينًا بجدوى عزلة أمريكا عن العالم إنما هو في الحقيقة يمارس فعلًا تأسيسيًا مهددًا لصيغة أمريكا ذاتها!
عقب فوز ترامب قبل أربع سنوات؛ طالب بعض دول أوروبا، كألمانيا، بأن تدفع للولايات المتحدة نظير حمايتها، فرد عليه سياسي ألماني عتيد بالقول «هذا الرجل لا يعرف معنى العلاقة بين أوروبا وأمريكا»، لكن يبدو أن الرئيس ترامب حينها لم يكن يعرف حتى العلاقة المفترضة بين أمريكا والعالم.
ذلك أن صورة أمريكا في العالم ليست تمثيلًا لنمط أي أمة من أمم العالم الحديث، وإنما هي في حقيقتها صورة مصغرة للعالم الحديث ذاته.
لهذا، فإن الانقسام الذي أحدثه ترامب في المجتمع الأمريكي لن تزول آثاره سريعًا؛ لأن أي شرخ في مجتمع كوزموبولتي، كالمجتمع الأمريكي، يعتبر انقسامًا خطيرًا على هوية أمريكا في العالم الحديث، ولذلك فإن أمريكا اليوم تنقذ من نفسها!