هوامش.. ومتون: زهورنا وأعاصير العولمة الثقافيّة !

عبد الرزّاق الربيعي

لعلّ أبرز المتغيّرات التي أحدثها تفشّي “كورونا”، بحياتنا، أن آليّة التباعد الاجتماعي جعلتنا نولي اهتمامًا أكبر بالتقنيات، والتطبيقات، في التواصل، والعمل، وحتّى في الدراسة بالنسبة لـ”فلذّات أكبادنا”، التي زاد التصاقها أكثر بالهواتف الذكيّة، وأجهزة الحاسوب، بعد أن كانت الأسر تنظّم علاقة الأولاد بها.
وفي الملتقى الافتراضي الأول لجماعة أدب الطفل العربي الذي أشرفت على أعمال جلساته د.وفاء الشامسية، استوقفني طرح الدكتور سعيد بهون علي المتخصّص بأدب الأطفال بجامعة بومرداس الجزائرية، حين رصد بورقته تداعيات الوباء على أدب الطفل، وكيفيّة استثمار ما أتاحته التطبيقات، والوسائط “في ظل منجزات علمية وتقنية لم يسبق للإنسان تحقيقها، ولا الاعتماد عليها، فحين عطّل (الوباء) مسيرة الحياة في كثير من مجالاتها، أظهر حقائق في العلاقات، والكيانات، والأشياء، مما دفع بالجميع إلى التكيّف، والمواءمة، والشروع في مراجعات عميقة”، مما جعلني أتساءل عن الجوانب السلبيّة التي يمكن أن ترافق الإفراط باستخدام تلك الوسائط على أطفالنا، بعد أن أصبحت واقعًا تفرضه الظروف، واتّسعت حرّيّة كلّ طفل في التعاطي مع تلك التطبيقات في ضوء انتهاج آلية التعلم “عن بعد” التي حلّت محلّ المدرسة، وقلّلت من اندماج الطفل بالمجتمع، وشلّت حركته التي من شأنها تثبيت الشخصية داخل المحيط الاجتماعي، ومع الأوضاع الجديدة من المتوقّع لنا أن نشهد تقطّع الأواصر التي تربط الأجيال الجديدة بمحيطها الاجتماعي، وهنا مكمن الخطر.
الذي يتجسّد في الانقطاع عن المحيط، مما أنتج ضعفًا في التفاعل الاجتماعي الذي له دور في التنشئة، وبناء الشخصية، وهيمنة الثقافة الغربية، نتيجة الانفتاح على ثقافات العالم وفقدان دور الأسرة والانصراف للتقنيات الحديثة بكلّ محمولاتها الفكرية، وفي كتاب الدكتورة كاملة بنت الوليد الهنائية “مسرح الطفل في عمان” يضع ناشر الكتاب (دار لبان للنشر)، عبر كلمة على الغلاف الأخير، يده على الخطر الذي يهدد الأجيال الجديدة فيقول: “لا شكّ أنّ ما يقوم به (أبو الفنون) في الحياة المدنيّة على قدر هائل من الأهمية في توصيل المعلومة، وترسيخ الوعي، والأهمّ: تأصيل الهوية، والانتماء في جيل يدور في فراغ الأجهزة التقنيّة، حيث العولمة تضرب أطنابها في كلّ مكان، لتكون الأوطان محض سكن للإقامة فقط”،
ومن هنا يأتي دور الفنون، ويقف في مقدّمتها المسرح، باعتباره واجهةً تثقيفيّةً حضاريّةً، لها دور مشهود في رفع مستوى الوعي، ودرجاته، ومراقبة متغيّراته، وحركيّته، ولكن هل نجحنا في مدّ جسور التواصل بين هذه الأجيال، والمسرح؟
الوقائع تؤكّد وجود تقصير واضح في هذا الجانب، فالمسرح يعاني من الإهمال، وكما تقول الهنائية في كتابها الذي يعد أول كتاب يوثق لمسرح الطفل في السلطنة: “إن المشتغلين بمسرح الطفل العماني لم يحظوا بما حظي به أقرانهم في مسرح الكبار من دعم، وانتشار، وتدوين، وتوثيق، وعدم وجود استراتيجية وطنية له، ولا جهة حكومية داعمة له، على الرغم من أن مسرح الطفل في عمان قد بدأ منذ عام 1972 م”.
وفي جلسة حوارية حول واقع مسرح الطفل في عمان، في برنامج “وقفات” للمركز الدولي للإعلام والثقافة، والإبداع، الذي يعدّه ويقدّمه المخرج مهدي البابلي، احتل المسرح المدرسي مساحة من الحديث، لكون بدايات المسرح العماني خرجت من المدارس السعيدية الثلاث في (مسقط، ومطرح، وصلالة) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، لكن مع عدم وجود اهتمام بالمسرح المدرسي، تراجع دوره، ففقد أطفالنا واجهةً تثقيفيةً وتعليميةً مهمةً تقّدم المعلومة بإطار جمالي، لا يخلو من متعة، وتسلية، لذا يجب أن نكون بحالة من اليقظة، فواجبنا هو تحصين الأجيال الجديدة، وتعزيز انتمائها، ومنع أخطار السموم الوافدة، والحدّ من آثارها السلبية، فإذا كنا، بفعل تسلّحنا بالوعي، والخبرة، والتجربة، يمكننا الادّعاء بأنّنا نستطيع التحكّم، وفرز الصالح من الطالح، وتصفية ما نراه خطرًا على ثقافتنا، بفضل ما نمتلك من حصانة فكريّة، وصدّ الغبار الذي يرافق ما تبثّه المواقع من أفكار حملتها رياح العولمة الثقافيّة، وسموم تستهدف الهويّات المحلية، والخصوصيّة المجتمعيّة، وعدم الذوبان فيها، والدوران في فلكها، ومقاومة أعاصيرها!