ابقَ طفلاً

عادل محمود
بالمصادفة قرأت مقالاً عن “أعراض” التقدم في السن. وكنت أتوقع حديثًا عما يعرفه معظم بالعي “السكين” (المقصود الستين) وما فوق. ولكنني فوجئت بما يلي: “أحد أهم أعراض التقدم في السن التي لا تخطئها العين ظهور علامات التسامح، المنبئة عن بعض الاضطرابات الباطنية. ولكن أكثر ما قرع نواقيس الخطر لدي.. أني لم أعد أملك القوة الكافية لأتمنى موت “عدو”، بل أصبحت أفهمه. حتى أحقادي، منبع بهجتي، أخذت نارها تتناقص، يوماً وراء يوم، جارفة معها أفضلَ ما فيّ. هكذا كلما كانت طاقتي تضمحلّ كان ميلي نحو التسامح يتفاقم: لم أعد شاباً… كنت أودّع الفرد وملكيته. وأستسلم لغواية الحكمة. نحن لا نصبح متسامحين إلا بقدر ما نفقد من حيويتنا… بقدر ما يطيب لنا الوقوع في الطفولة! لكن السيدة “كوكو شانيل” المصممة المشهورة تقول: “الشيخوخة لا تحمي من الحب، ولكن الحب يحمي من الشيخوخة”. أما السيدة بثينة شعبان فتقول: “أن لا يخيفك شيء، لا التجاعيد ولا الذئاب… تلك هي الشيخوخة”. لقد بالغ من قال إن الشيخوخة مرض. وأيضاً بالغ مادحوها، الباحثون عن بديل المزايا في الصبا. قالوا: أنينك طولَ الليل يقلقنا، فما الذي تشتكي؟ قلت: الثمانينا. هذا يندرج في برنامج الشكوى. ولكن ثمة ما يندرج في برنامج السلوى: “للشباب وجه جميل، وللشيخوخة روح جميلة”. و”الشيخوخة بآلامها خير من شباب بلا آمال”. عودة إلى فريق الموجوعين من التقدم في السن. يقول شاعر: فصرت الآن منحنياً كأني *** أفتش في التراب عن الشباب أما جدنا المتنبي فشكواه أكبر وأبعد: كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً *** وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا لكنني اخترت لنفسي الأفضل بين أقوال القائلين: “ايقَ طفلاً وأنت كهل” “الشعر الأبيض… أرشيف الماضي” وللساخر برنارد شو اعترافه الفكاهي الصائب: “ليس أحفادي هم الذين أشعروني بأنني عجوز، وإنما مجرّد إدراكي بأني زوج لجدتهم”. أما لماذا اخترت هذا الحديث، وأنا لم أبلغ الثمانين بعد… فلأن هذه الجملة أطلت من أوراقي: “ذهبُ الأيام الماضية ما يزال يلمع في الذاكرة”.