التعافي بالأدب

أمل السعيدية
كان من المفترض أن أكمل الجزء الثاني من مقالة مرآة أليس التي بدأت بها الأسبوع الماضي، ومع ذلك لم أستطع التقدم في الكتابة، ولا أعرف لماذا شعرتُ برغبة في مشاركة قارئ اهتم بهذه الزاوية الصغيرة من الصفحة كل أسبوع، هذه الهموم التي تربضُ على الجلد كعلةٍ لن يشفيها شيء. الانسحاب من العالم، معنى، عمل الإنسان طوال تاريخه البشري في تمثيله بصور عديدة، وصلتنا العديد من الصيغ والأنماط لفترات نكوص صعبة، كانت اختيارية أحيانًا، وقسرية في أحيان أخرى كما نقرأ في التراجيديا الإغريقية فلكتيتس لسوفكليس، الألم واحد، مشترك، لعل هذه هي واحدة من أهم المرتكزات التي يكرسها الأدب. لفتني في مقالة قرأتها عن فوز لويز غليك بجائزة نوبل للأدب هذا العام للكاتب دان شياسون على نيويوركر، وفي غمرة تعبيره عن الفرح لفوز غليك، تعبير آسر عن معنى لطالما كان محط اهتمامي في الأدب، لكنني لم أستطع أن أجمع متنقاضين في جملة واحدة، فكيف يمكن أن أقول إن هذا الكاتب لا يكتب عن أشياء كبيرة فحسب، بل يكتب عن اليومي والعادي والبسيط، مع أنه وفي النص نفسه يجمع الاثنين معًا، استخدم الكاتب تعبير: «كبير وحميم» كتعبيرين متقابلين في المعنى، وبالفعل تُشعرك قصائد لويز غليك بهذا أثناء قراءتها، ويكتب شياسون أيضًا: «إنها لا تناشد الأشخاص الذين يقرأون الشعر فقط بل والأشخاص الذين لا يقرأون الشعر تقريبًا. إنه متنوع بما يكفي لجذب جميع المزاجات، غالبًا في القصيدة نفسها: هنا سطر للمتشككين، وهنا سطر للمتأكدين. إذا كنت تريد أن تعرف معنى الوقوع في الحب، أو الإجهاض، أو الإنجاب، أو الإصابة بمرض خطير، أو الطلاق، أو التسوق لشراء الجبن، أو إزالة الأعشاب الضارة، أو الزراعة، أو الحزن على والديك ومعلميك: يمكنك العثور عليه في عمل لويز غليك» تأملتُ في هذه الكتابة التي قرأتها في ذروة انسحابي، وشعرتُ بأنني لكي أسحق كل هذا الألم، ولكي أعود مجددًا لهذه الأرض النابضة بكل هذه الحياة، والتي يتدفقُ فيها الدم، عبر وجودنا الإنساني، فلا بد وأن أفعل من خلال الأدب أيضا. أحذف كل تطبيقات التواصل الاجتماعي، وكل طرق الوصول إليّ، أرتدي منامة منزلية مريحة، أفرد شعري المموج ليغطي وجهي، الذي لا يظهر منه شيء سوى نظارتي التي تبحثُ عن ملاذها في السطور التي سأقرأها، بحثا عن العزاء والسلوى، وتدقيقًا في المشاركة الإنسانية الأبدية. وفي كل مرة يتعذر الأمل، تفتحُ لك نافذة الأدب الذي جئت إليه متململًا طريق العودة للحياة مجددًا، فتضحك في سرك، من كل الوعود التي قطعتها على نفسك في المضي لوحدك بعيدًا عن معترك الحياة، عن أقطابها المتنافرة، وأنت هناك يجب عليك أن تقرر لمن تنتمي ولماذا؟ وهنا تظهر عقيدة الامتنان التي يعرفها قراء الأدب، إذ أنهم سرعان ما يشكرون الحياة على نزوعهم نحو الأدب، فما الذي كان سيحدث لهم لولاه؟ كتبتُ كثيرًا عن الأدب وأهمية قراءته، وهي ليست إلا تنويعات متواضعة عن أهميته الفعلية، ولكنني ما زلت في كل مرة يقول لي فيها شخص ما: «واضح أنكِ تميلين للأدب» أتفاجأ، وبالضراوة نفسها التي أقول فيها أن لا وجود لما يعرف بـ«رواية كئيبة» إذ أنها رواية تعكس الحياة بحقيقتها، هل تريد أن تقول إن الكآبة جزء واحد من الحقيقة؟ وأن الكاتب آثر هذا الجزء على غيره؟ بالضراوة نفسها أسأل نفسي: كيف يحدث أن يظهر هذا التمييز بين الأدب وبقية أشكال الكتابة بهذه الصورة الملحة؟ ولماذا يقال هذا باستمرار كما لو أنها جملة تهدف للتعاطف، وتُبطن أسلوبًا متعاليًا! هل ما يجعل حظي في الأدب كبيرًا أنني عجزتُ أن أكون كذلك في سواه؟ أليس هذا بحد ذاته اعتراف ضمني، بأن الهامش الذي نسعى لقهره في هذا العالم من الحساسية والجمال، صار له بيئته الخصبة، ومجتمعه، وأنه ليس هامشًا كما نظن؟ سأعود لانسحابي الآن، أتقهقر لكنني في النهاية لا بد وأن أتعافى، الأدب يعدني بذلك دومًا.