الطريق إلى البيت الأبيض وصراع الولايات الحاسمة

عوض بن سعيد باقوير –

لقد سجلت إدارة ترامب عدة أخطاء كبيرة ليس فقط من خلال معالجتها لجائحة كورونا ولكن من خلال السلوك الفوقي مع المنافسين في الحزب الديمقراطي، ومن هنا فإن الخطاب الممتاز الذي ألقاه الرئيس المنتخب جو بايدن قد يعيد لم الشمل لأكبر انقسام بين الأمريكيين شهدته الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة ولعل تلك الملايين من الأصوات التي أعطيت لبايدن هي رسالة قوية ليس فقط لترامب ولكن لكل رئيس أمريكي في المستقبل.

شهدت الانتخابات الأمريكية صراعا مثيرا للظفر بالرقم السحري وهو 270 من أصوات المجمع الانتخابي في الولايات الخمسين الذي تمثل النظام الفيدرالي الذي قامت عليه الولايات المتحدة قبل 270 عاما، ومن هنا حبس العالم أنفاسه الأسبوع الماضي وهو يتابع على شبكات التلفزة الأمريكية وشبكة الجزيرة التحولات الدراماتيكية لذالك السباق المحتدم الذي لا تزال عدد من ولايته تواصل فرز الأصوات رغم فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بـ 290 من أصوات المجمع الانتخابي.
على ضوء الأرقام وبعيدا عن الفوز والخسارة لمرشحي الرئاسة الأمريكية فإن ثمة ظواهر اكتنفت ذلك السباق المحموم والذي تتواصل أحداثه المثيرة من خلال رفض الرئيس الحالي ترامب نتيجة الانتخابات وهزيمته من خلال تقديم عدد من القضايا القانونية في المحاكم الأمريكية.
لماذا خسر ترامب؟
لعل العامل الحاسم الذي شتت عددا من المواقع الانتخابية للرئيس ترامب هو موضوع جائحة كورونا والتي أدت إلى مشكلات كبيرة، حيث تصدرت الولايات المتحدة العالم في عدد الوفيات والإصابات، وهذه الأخيرة تعدت عشرة ملايين أصابة كما كان تعامل الإدارة الأمريكية مع تلك الجائحة غير إيجابي من خلال الإجراءات وعدم ضخ الأموال الكافية للقطاع الصحي، كما أن الرئيس ترامب وفي مناسبات عديده قلل من خطورة الفيروس ودعا إلى إعادة فتح الاقتصاد.
ومن هنا ركز الحزب الديمقراطي ومن خلال حملات بايدن على هذا المتغير الهام والذي كان العنوان الأبرز في الحملات الانتخابية للرئيس المنتخب بايدن. كما أن إصابة ترامب بالفيروس فاقم من التداعيات خاصة خروجه من المستشفى وتغريداته المثيرة للجدل وكان من اللافت خلال الانتخابات أن ترامب كان واثقا من الفوز بسبب قواعده الانتخابية خاصة في الضواحي والأرياف وبين الأكثرية من البيض، ولعل ذلك خلال الموجة الأولى من فرز الأصوات والتي أظهرت تقدما كبيرا للمرشح الجمهوري خاصة في ولاية بنسلفانيا حيث وصل عدد الأصوات الذي يتقدم بها ترامب علي بايدن اكثر من 600 ألف صوت كذلك كان هناك تقدم لترامب في ولايات جورجيا الجنوبية وولاية ووسكنسون وولاية اريزونا وكانت شبكة سي ان ان تتحدث عن زحف كبير لترامب ولعل من الأخطاء الفادحة لاستراتيجية حملة ترامب هي اعتمادها على الاقتراع المباشر والتقليل من مسألة الاقتراع بواسطة البريد، وقد تم رصد تصريحات لترامب يحث فيها قواعده الانتخابية على الحضور الشخصي وعدم إرسال البطاقات الانتخابية بواسطة البريد بل شكك بأن الانتخابات قد تشهد مشكلات وربما خللا في التصويت وهي الاستراتيجية التي ظهرت الآن من خلال عدم قبوله بنتيجة التصويت، ومن هنا فإن الأصوات الأولى التي ظهرت لترامب كانت هي الأصوات المباشرة، وخلال ساعات انقلبت الأوضاع عندما بدأت اللجان الانتخابية في الولايات المشار لها تسجل تقلصا واضحا في تقدم ترامب واندفاع لجو بايدن خاصة في ولاية بنسلفانيا والتي كانت الولاية التي حسمت السباق الانتخابي.
إذن أصوات البريد لعبت دورا كبيرا على صعيد الإقبال من الديمقراطيين الأمر الذي جعل بايدن يسجل أرقاما هي الأكبر في تاريخ الانتخابات الأمريكية حيث حصد جو بايدن على 75 مليون صوت، ومن هنا فإن جائحة كورونا وعدم الإقبال على التصويت من قبل القواعد الانتخابية الجمهورية لعب الدور الأهم علاوة على الوضع الاقتصادي حيث زيادة نسبة البطالة وإفلاس عشرات من الشركات الصغيرة والمتوسطة وعدم نجاح خطة التحفيز الاقتصادي التي تجاوز تريليوني دولار، كما أن المناكفة مع الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس ساهمت في تعزيز خطة التحفيز الاقتصادي لأسباب انتخابية.
اختراق الولايات الحاسمة
من المعروف تاريخيا أن هناك عددا من الولايات المتأرجحة أو الحاسمة التي ترجح أحد المرشحين وتعد ولايات فلوريدا واوهايو وجورجيا ونورث كارولينا ووسكنسن واريزونا من أبرز الولايات المتأرجحة، ولا زال الجميع يذكر ولاية فلوريدا التي حسمت السباق الرئاسي عام 2000 بين جورج بوش الابن وال جور حيث حسمت المحكمة العليا الدستورية السباق لصالح جورج بوش الابن بفارق 530 صوتا.
ومن هنا كان التركيز منصبا على تلك الولايات حيث زارها كل من ترامب وبايدن لعدة مرات ومن هنا فإن الاختراق الديمقراطي لولاية جمهوريه مثل جورجيا وأيضا اريزونا هي مقدمة نحو الفوز في السباق الرئاسي خاصة وان التحولات الديموجرافية لعبت دورا حاسما من خلال دور الأقليات العرقية خاصة الأمريكيين من أصول افريقية، كما هو الحال في ولاية جورجيا وكذلك الأمريكيين من أصول لاتينية في ولاية اريزونا حيث القرب من الجدار الذي يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك والجدل الذي دار حول موضوع الهجرة.
ومن هنا لعبت الأقليات خاصة من المكسيك دورا كبيرا في اختراق حملة بايدن لولاية اريزونا وهذا عكس ما حدث في فلوريدا حيث انحازت الكتلة الانتخابية للأمريكيين من أصول كوبية وفنزويلية إلى ترامب لأسباب تتعلق بقضايا الحريات واليسار، ومن هنا لعبت الولايات المتأرجحة الدور الحاسم في تفوق بايدن ولعل الكتل الانتخابية في مدن مثل اتلانتا في جورجيا وفلادليفيا وبيتسبرج في بنسلفانيا دورا في حصد عشرات الآلاف من الأصوات بسبب أصوات تلك العرقيات، كما أن أحداث مقتل عدد من الأمريكيين الأفارقة على يد الشرطة من البيض كان له دور وبعد اجتماعي وعرقي ساهم في ذلك الاندفاع الانتخابي تجاه بايدن والحزب الديمقراطي، كما ان وجود مرشحه لنائب الرئيس وهي كامالا هاريس وهي من أصول هندية وأفريقية لعب دورا آخر في حسم تلك الأصوات، كما لعب الشباب دورا مهما حيث دخل أكثر من 20 مليون ناخب جديد من الشباب والذين عادة يميلون تاريخيا للحزب الديمقراطي بسبب آليات الليبرالية وكونه ضد التوجهات المحافظة الذي يمثلها الحزب الجمهوري.
وعلى ضوء ذلكم فإن القواعد الانتخابية للحزب الديمقراطي ركزت على العوامل الداخلية وشجعت القواعد على الاقتراع بواسطة البريد لأسباب تتعلق بجائحة كورونا وهو الخطأ الفادح الذي ارتكبته حملة ترامب، كما أن المناخ السياسي العام في الولايات المتحدة تأثر بقضايا المناخ والهجرة على نطاق واسع، كما أن انسحاب إدارة ترامب من عدد من المنظمات الدولية خاصة اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية وقطع التمويل عن الأنروا ساهم في موجة سخط بين أوساط الأمريكيين كما كان للمرأة دوربارز في تأييد بايدن خاصة من قبل الأمريكيات من أصول أفريقية حيث سجلت أرقاما قياسية تجاوزت 80 في المائة في بعض الولايات.
وعلى ضوء ما نتج عن المشهد الانتخابي فإن هناك دروسا كبيرة مستفادة للحزبين كما ان الرئيس ترامب وخلال حكمه ارتكب عددا من الأخطاء الفادحة خاصة تجاه حلف الناتو وتجاه القضية الفلسطينية، وحتى على صعيد الداخل حيث أصر على تعيين قاضية في المحكمة العليا الدستورية وأثار الشكوك حول الهدف من ذلك قبل الانتخابات بعدة أيام، كما أن خروج عدد من مستشاريه ساهم في عدم وجود الاستقرار في البيت الأبيض.
الشبكات الأخبارية
بمتابعة تلك الانتخابات المثيرة لأكثر من 100 ساعه من خلال شبكات التلفزة الأمريكية وقناة الجزيرة فإن المشهد الإعلامي كان مثيرا ويعطي دروسا كبيرة في مجال التغطية لأهم الأحداث العالمية كل أربع سنوات، ولعل الأمر الأكثر إثارة في شبكة سي ان ان هي الدخول على كل الأحياء في كل ولاية ومعرفة الخريطة الديموجرافية وعدد الأصوات والعرقيات والاتجاهات والاحصائيات الدقيقة تاريخيا عن كل ولاية منذ عرفت الولايات المتحدة الانتخابات قبل اكثر من قرنين ونصف.
ورغم التعقيد الذي يكتنف نظام المجمع الانتخابي الا انه يضفي الإثارة المطلوبة التي تعود عليها الشعب الأمريكي كما أن تلك الولايات المتأرجحة تتقاسم الترجيح تارة مع الديمقراطيين وتارة مع الجمهوريين والذي يحدد ذلك التأرجح والميل مع هذا الحزب أو ذاك هو التطورات الداخلية خاصة الحالة الاقتصادية وقضايا المناخ والهجرة ومراقبة أداء الإدارات الأمريكية.
لقد سجلت إدارة ترامب عدة أخطاء كبيرة ليس فقط من خلال معالجتها لجائحة كورونا ولكن من خلال السلوك الفوقي مع المنافسين في الحزب الديمقراطي، ومن هنا فإن الخطاب الممتاز الذي ألقاه الرئيس المنتخب جو بايدن قد يعيد لم الشمل لأكبر انقسام بين الأمريكيين شهدته الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة ولعل تلك الملايين من الأصوات التي أعطيت لبايدن هي رسالة قوية ليس فقط لترامب ولكن لكل رئيس أمريكي في المستقبل ومن هنا فإن الرأي العام الأمريكي قال كلمته ولعل الارتياح الذي ساد الساحة الأمريكية هو حديث بايدن حول ضرورة التعاون ولم شمل الأمة الأمريكية.
لقد كانت انتخابات مثيرة حبست أنفاس العالم وليس الولايات المتحدة الأمريكية.