كتاب جديد يوثق سير رواد الصحافة العمانية ويؤصل بداياتها

للباحثين عبدالله الكندي وشميسة النعمانية –

عاصم الشيدي –
من بين الكتب التي استمتعت بقراءتها خلال الأيام الماضية كتاب له علاقة بمهنتنا، مهنة الصحافة، حمل عنوان «رواد الصحافة العمانية» للباحثَين الدكتور عبدالله الكندي وشميسة النعمانية. وإنْ كان الكتاب في تاريخ الصحافة وليس في التنظير المهني لقواعدها أو في بحث تحدياتها الآنية إلا أن النماذج التي اختارها الكتاب وتحدث عنها تجعل القارئ «الصحفي بشكل خاص» يستلهم الكثير من سِير تلك الشخصيات وتضحياتهم في سبيل المهنة، ويعرف تفاصيل الكثير من الأحداث التي أثرت في سير الصحافة والصحفيين وكان بعضها غائبا عن المتابع أو ملتبسا عليه فهمه، وفوق ذلك فالكتاب يوثق بالأدلة، خلال توثيقه للشخصيات، لتاريخ الصحافة العمانية والمراحل التي مرت بها، والتحديات التي واجهتها وأحيانا للدوافع الشخصية أو «الحزبية» أو دوافع الدولة نحو إصدار صحيفة جديدة أو توقفها.

يوثق الكتاب سِيرا إنسانية ومهنية لـ 16 صحفيا اعتبرهم روادا للصحافة العمانية التي بدأت أولى صفحاتها في المهجر العماني في وقت مبكر من القرن العشرين حينما أصدر أبو مسلم البهلاني جريدة «النجاح» في زنجبار عام 1911. واستخدم الباحثان المنهج الكيفي في جمع المادة العلمية للكتاب. وإذا كان أبو مسلم البهلاني أقدم صحفي وثق الكتاب سيرته واعتبره الكتاب «إمام الشعر والصحافة» فإنه وثق كذلك «للصحفي التنويري» هاشل بن راشد المسكري أبرز رؤساء تحرير جريدة الفلق، و»الصحفي الحقوقي» أحمد بن سيف الخروصي مؤسس جريدة المرشد، و«الصحفي الاقتصادي» محمد بن ناصر اللمكي أبرز رؤساء تحرير جريدة الفلق، و«الصحفي ورجل الدولة» السيد سيف بن حمود آل سعيد مؤسس جريدة النهضة، و«الصحفي الأديب» عبدالله بن محمد الطائي «أحد أبرز رواد الإعلام في الخليج العربي»، و«رائد صحافة نهضة السبعين» نصر بن محمد الطائي مؤسس جريدة الوطن، و«الصحفي السياسي» سعيد بن محمد الكثيري مؤسس مجلة العقيدة، و«النجم العائد» طالب بن محمد المعولي مؤسس مجلة النهضة، و«الصحفي الاجتماعي» صادق بن حسن عبدواني مؤسس مجلة الأسرة، و«رائد الصحافة الأجنبية» عيسى بن محمد الزدجالي مؤسسة صحيفة تايمز أوف عمان، و«الصحفي السفير» سالم بن محمد الغيلاني مؤسس مجلة السراج، و«صوت الصحافة الثقافية» أحمد بن عبدالله الفلاحي مدير تحرير مجلة الغدير وأبرز مؤسسيها، و«القلم البليغ» حمود بن سالم السيابي أحد أبرز رؤساء تحرير جريدة عمان، و«الصحفي المغامر» إبراهيم بن عبدالله المعمري مؤسس جريدة الزمن، و«الطائر الحر» حاتم بن حمد الطائي مؤسس جريدة الرؤية. وكل الأوصاف التي سبقت أسماء الصحفيين هي من الكتاب والتي يجد القارئ لها تعليلا منطقيا خلال قراءته للتفاصيل. ويرتبط مصطلح الريادة في الكتاب «بتأسيس مشروع صحفي «صحيفة/ مجلة» وقيادته والتأثير في مسيرته الوظيفية والمهنية والإبداعية، إضافة إلى إدارة مشروع صحفي قائم وترك بصمة جلية مؤثرة أسهمت في صياغة مساره وبلورة كينونته، وفق ما جاء في الكتاب. كما «ترتبط الريادة الصحفية في الكتاب بحجم وقيمة المنجز الذي قدمته الشخصية الصحفية التي سلط الضوء عليها».
ولا يدخل الكتاب في حِجاج كبير، رغم أهميته، حول تصنيفه صحافة المهجر في زنجبار صحافة عمانية، لكنْ، الباحثان يقولان في مقدمة الكتاب: «أصبح من غير الممكن فصل تلك المشاريع الصحفية عن تاريخ الصحافة العمانية؛ لأن التاريخ وإن كان يرتبط بالجغرافيا، فإنه يرتبط أيضا بالأشخاص الذين يصنعون أحداثه ويؤسسون مشاريعه الخالدة». ويضيف الباحثان: «ولا تنتمي المشاريع الصحفية إلى المكان الذي تصدر فيه وإلى الجمهور الذي تخاطبه فحسب، وإنما تنتمي أيضا إلى المؤسس الفرد الذي يقف وراء تأسيسها».
وهذا مبحث ليس جديدا خلال الحديث عن صحافة زنجبار، ويتسع فيه الحديث كثيرا، وكلام الباحثين أعلاه وجيه، لكنّ هناك رأيا آخر يذهب للقول إن وفق هذا المعيار لا يمكن اعتبار جريدة الأهرام، على سبيل المثال، جريدة مصرية لأن مؤسسيها بشارة تقلا وسليم تقلا لبنانيان، وكذلك الأمر بالنسبة لمجلة روز اليوسف لأن روز اليوسف مؤسسة المجلة وصاحبتها لبنانية من أصل تركي، ولم تخلُ الأهرام ولا روز اليوسف من الحديث والاهتمام ببلاد الشام في تلك المرحلة المفصلية من مراحل العالم العربي!
وسبق للدكتور عبدالله الكندي أن ناقش قضية الصحافة العمانية في زنجبار في كتابه المشترك مع الدكتور عبدالمنعم الحسني «بدايات الصحافة العمانية في زنجبار: دراسة تاريخية تحليلية».
ويقدم الكتاب الكثير من المعلومات المهمة التي ينشر بعضها، ربما، للمرة الأولى، ويستعرض الكثير من الوثائق المرتبطة بحياة الشخصيات الصحفية التي يوثق لها. وإذا كان جهد جمع المعلومات والوثائق عن الصحف التي صدرت في السلطنة بعد عام 1970 يسيرا، إلى حد ما، فإن جمع تلك الوثائق عن الصحف التي كانت تصدر في زنجبار وعن صحفييها أمر بالغ الصعوبة، ورغم ذلك فإن الكتاب مليء بها، ما يعطي الكتاب قوة ورصانة في مادته العلمية، ويحوله إلى وثيقة أرشيفية عن الصحف وعن الصحفيين أيضا ويحول الكتاب إلى مرجع مهم في تاريخ الصحافة العمانية.
ويكتشف القارئ أن الصحفيين الذين مارسوا مهنتهم في زنجبار كانوا منغمسين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكان بعضهم أعضاء بارزين في الأحزاب وفي المجالس التشريعية في زنجبار. وكانت الصحافة بالنسبة لهم ليست مجرد وظيفة، بل جزءا أساسيا من مشاريعهم السياسية والتنويرية وجهود مكافحة الاستعمار، لذلك دخل الكثير منهم السجن، وأوقفت صحفهم وتعرضوا أحيانا لصنوف من التنكيل.
ولم تغب عُمان الأم عن الصحفيين في زنجبار ولا عن صحفهم، وكانت علاقتهم بها وثيقة جدا، حنينا لها، واستحضارا لأخبارها حتى تكون حاضرة في وجدان العمانيين في مهجرهم الزنجباري.
وأعطى الكتاب تفاصيل وافية عن المشاريع الصحفية التي صدرت في عمان بعد عام 1970 من خلال الحديث عن مؤسسيها وأبرز رؤساء تحريرها الذين تركوا أثرا بالغا في مسيرتها. وكذلك يوضح الخطوط الصحفية والتحريرية التي سارت عليها تلك المشاريع المستمدة في الأساس من توجهات مؤسسيها، خاصة وأن الصحفيين لم يكونوا في خط مغاير لصحفهم أو الصحف التي عملوا فيها.
ومسألة دراسة رواد الصحافة وتوثيق سيرهم مهمة جدا على الكثير من المستويات، ليس آخرها تأصيل بدايات الصحافة العمانية والظروف التي نشأت فيها.
بهذا المعنى، الكتاب يستحق القراءة ويستحق المزيد من الاحتفاء خاصة وسط الأسرة الصحفية.