مقامات :تحليق بين كتابين

(1) «كالماء للشوكولاته»

كلما أمعنت الرواية في الدهشة عبر غريب مكوناتها، وبعدها عن القارئ مكانا أو زمانا أو أحداثا كانت كفيلة بأسر وعيه وسلب لبه.
فالقارئ الذي أصبح اليوم أمام كم هائل من السرد يحتاج الجديد المدهش فعلا؛ ليدخل في مغامرة قرائية معرفية خاصة يخرج منها ممتلئا بعمل غير مكرور، ونص يحدث أثره الآني في وعيه من جهة، ويرسخ في ذاكرته من جهة أخرى.
ولذا غالبا يطيب لنا كقراء أن نذهب في اختياراتنا السردية بعيدا في الزمن والمكان؛ بحثا عن الدهشة التي تجعل وقت القراءة قيمة، وأثرها خالدا في نفوسنا.
ورواية «كالماء للشوكولاته» أو «الغليان» أو «شيكولا داكنة» وهي أسماء أخرى لهذه الرواية للكاتبة المكسيكية لاورا إسكيبيل. وترجمة صالح علماني- طبخة أدبية متمهّلة تكتبها امرأة متذوقة للحب والطهي واللغة معا، كاتبة تعرف الكثير من الأسرار عن علاقة الروح بالجسد وعن علاقة الطبخ بالأنثى وعن علاقة الإنسان بالطعام وأثره فيه.
إنها رواية مذهلة تسرد على لسان فتاة تحكي حكاية جدتها «تيتا» أو فعليا خالة أمها، التي ولدت مع موت والدها، فاعتنت بها طباخة المنزل لذا عاشت في المطبخ من طراوة لحمها لتعرف كل أسراره.
«تيتا» الطفلة الأصغر لعائلة كبيرة تتحمل وزر تقليد كبير في العائلة وهو أن أصغر البنات لا تتزوج وإنما تعيش لتعتني بوالدتها وتهتم بها حتى تموت.
الفتاة الماهرة في الطبخ بشكل استثنائي والتي صاحبت المذاقات والروائح منذ تفتح وعيها تقع في الحب في حفلة رقص فترتطم بالمحظور، بل وتكون الكارثة الأكبر أن الأم تشير على الشاب الذي جاء ليخطبها أن يتزوج «روسورا» الأخت الأكبر لها؛ فيوافق ليكون فقط قريبا من حبيبته.
الأم القاسية التي حطمت أحلام «تيتا» أمرتها أن تعد مائدة العرس مع الطباخة فلا تستطيع إلا أن تبكي فتنهمر الدموع في كيكة العرس مما جعل كل من يتذوقها يصاب بحالة حنين وألم فيتحول حفل الزفاف لحالة مأساوية.
تستمر الأحداث مع تيتا التي تطبخ كل مرة طبخة خاصة وتقليدية بمكونات غريبة ودقيقة جدا تثير الجسد وتربك الحواس، والعائلة التي تحكمها «ماما إيلينا» بالحديد والنار، فتنجب الأخت طفلا يمتنع عن الحليب، فتأخذه تيتا وتحاول إطعامه وتتعلق به بل إنها ترضعه حليبا من صدرها، ومع الخوف من الثوار ترسل الأم الأخت وزوجها وطفلها للمكسيك فيموت الطفل جوعا هناك. بينما تهرب الأخت الثالثة مع قائد الثوار عشقا وولها.
وحين يهجم الثوار على المزرعة تتصدى لهم الأم، وقد توترت علاقتها بتيتا لأنها حملتها وزر موت الطفل.
تمرض «تيتا» فيأتي الطبيب الأرمل ليساعدها ويرغب في الزواج منها إلا أن موت الأم أعاد الأخت وزوجها للمزرعة لتتجدد قصة العشق بين الحبيبين.
وبعد أن أنجبت الأخت طفلة أخيرة عاشوا معا زمنا طويلا وفق اشتراطات الحب والواجب قبل أن تموت الأخت فجأة لاضطرابات معوية، وتتزوج ابنتها (الذي جاهدت تيتا كي لا تتحمل وزر ذلك التقليد مجددا لأنها ابنة وحيدة وأخيرة للأخت) من ابن الدكتور صديق العائلة؛ فيشتعل العشق بين العشيقين مجددا؛ وقد ظنا أنهما سيعيشانه أخيرا لكنهما يحترقان في لذتهما فيتحول المكان بهما رمادا في نهاية مغلقة لا تريد أن تكون شعرية بل واقعية مأساوية.
الرواية التي تتخذ من الطعام المطهي بمهل وعمق وسيلة لإشعال الروح والجسد، وإذكاء الحس الإنساني تأخذك للبعيد من الزمن حيث التقاليد تحكم الإنسان وتقيّد روحه ولكنها أيضا تهبه ميزات معرفية كثيرة، كما تقدم للقارئ الكثير من وصفات الطبخ الدقيقة، ويمكننا أن نعتبرها من روايات الموجة السردية الجديدة حيث التجديد في السرد والتجديد في الموضوع.
رواية تلتزم بعناصر البنيوية السردية من فضاءات بيئة السرد الزمكانية، ورسم واضح للشخوص الرئيسة والجانبية، ومن عقدة واضحة وسرد متصل الحبكات والصنعة، ولكنها مع ذلك تأخذ خطا جديدا تماما في المدرسة السردية بعيدا عن التقليد من حيث البعد المعرفي والإنساني الذي يضيف للرواية وهجا وتميزا يدفع القارئ لاختيارها بشغف والاستمتاع بمذاقها الخاص والنادر.

(2) «كيليطو .. موضع أسئلة» حوارات

الحوار نص عميق يجمع الداخلي للخارجي، والتجربة الإنسانية للنتاج الإبداعي، والفكر للشعور. إنه نص خاص حميم ودافئ من جهة، ويختصر تجربة المبدع ويكشف عمقه وإنسانيته وفكره من جهة أخرى، فيقدم بذلك قدوة صالحة للاقتداء للمبدئين في حقول المعرفة، وصحبة خاصة وصداقة قريبة لمن مشوا في ذات الطريق حتى انتصفت.
إن قراءة الحوارات المعرفية لكبار الكتاب والمبدعين والمفكرين متعة خاصة ورائعة، تهبك بعدا معرفيا شاملا، وبعدا إنسانيا وعميقا تفهم من خلاله إنسانية المبدع وتكوينه المعرفي والنفسي، وتدرك الطريق الذي مشى فيه، والزاد المعرفي الذي تحصل عليه، والصعوبات التي واجهته، وتراكمات الخبرة التي نسجت خيوطها في وعيه رويدا رويدا .
وكتاب «كيليطو.. موضع أسئلة» الذي حاورته فيه أمينة عاشور، وترجمه للعربية عبدالسلام بنعبد العالي من تلك الكتب الحوارية المعرفية القيّمة بقيمة صاحبها.
يقدم هذا الكتاب للقارئ _ عبر حوارات منهجية تُظهر إطلاع المحاوِرة على مختلف نتاجات المبدع وإجابات عميقة من مبدع كبير _ دروسا عظيمة في قيمة القراءة والانتباه للتراث كمدخل للوعي الجديد بالثقافة الأم، وثقافة الآخر.
وأهمية تعالق الشخصي مع الموضوعاتي في الكتابة فهو يعرفك كقارئ على تجربة كيلطيو المختلفة إبداعا وقراءة ونقدا. كيليطو الناقد والمبدع الكبير الذي يقرأ فيكتب، والقارئ المدهش الذي يحفر عميقا في مكنونات الكتب وذخائر التراث، ثم يحاور ما يقرأ، ويفككه ويفتته وينبشه بعمق أركيولوجي أصيل، محاولا أبدا تأصيل البحث اللغوي واللساني بطريقة أدبية ومعرفية جديدة تجمع حداثة المنهج إلى أصالة المضمون، والفكر للسرد، ثم نقل هذا البحث الجديد إلى الآخر ليطّلع عليه بعمق راسخ ورويّة علمية.
إنه الباحث الأديب الذي يعيد تعريف البحث كما يعيد صياغة النص المقروء بلغة خاصة ومنهج مبتكر.
ولذا وفي هذا الكتاب تجد فكر كيليطو ووعيه ومنهجه حاضرا، كما تجد شذرات من نصوصه وكتبه فهو يستحضر ذلك بهدوء، وكأنه يقدم للمتلقي خلاصة عمره وتجاربه الإبداعية، وصورا مصغرة لكتبه ومؤلفاته العديدة والمتنوعة، ومنهجه في التأليف.
ولكن أهم ما يقدمه هذا الكتاب للقارئ هو العلاقة الحقيقية بين عمق المبدع وإنسانيته وتواضعه.
إن هذا الكتاب يقدم درسا إنسانيا في تواضع المفكر وإظهاره لنسبية المعرفة، واغترافه منها ما يستطيع فقط وما هو متاح له وممكن، مهما بدا للآخرين كبيرا وموسوعيا.
هذا الدرس الكبير الذي يقدمه لنا كيليطو الكبير يضعنا في موقف إجلال له مع ما نراه من تضخم في أوداج من لا يمتلكون بعض ثقافته. إذ نصطدم كل يوم بعلل وانتفاخات وأورام تتدحرج بيننا أو تمشي على قدمين من غرور قبيح ومباهاة ناقصة.
وكتاب بهذه الدروس يستحق أن يقرأ، وكاتب بهذه الإنسانية يستحق أن نقرأ له ونتتبع تجربته ونقدر عبوره العميق في الحياة وفي اللغة.