التوازن المالي واستشراف المستقبل

سالم بن سيف العبدلي
كثر الحديث عن برنامج التوازن المالي متوسط المدى خاصة بعدما تم نشر تفاصيله بشكل إجمالي عبر وسائل الإعلام الرسمية وتم تخصيص حلقة من برنامج رؤية اقتصادية بتلفزيون السلطنة الأسبوع الماضي لمناقشة هذا الموضوع وشرفنا أن نكون ضمن ضيوف الحلقة مع مسؤولين من برنامج التوازن وتمت مناقشة الموضوع بكل شفافية ووضوح.
وقد طرح في البرنامج تساؤل مهم للغاية وهو لماذا لم تحقق البرامج والخطط السابقة الأهداف والغايات المرسومة لها بشكل كامل وحسب المؤشرات المحددة بالأرقام ؟ رغم أن برنامج التنوع الاقتصادي كان من أهم أولويات الخطط الخمسية السابقة ابتداء من الخطة الخمسية الأولى والتي بدأت عام 1976 مرورا بالخطط الخمسية المتعاقبة وانتهاء بالرؤية المستقبلية عمان 2020م والتي ستنهي مع نهاية هذا العام بعد ذلك سيبدأ تنفيذ الرؤية المستقبلية عمان 2040.
الحق يقال إن هناك العديد من الإنجازات تحققت على أرض الواقع وهي ماثلة أمامنا ولا يمكن نكرانها أو تجاهلها فقد أصبحت لدينا بنية أساسية جيدة ممثلة في شبكة من الطرق الحديثة والتي تربط مختلف محافظات السلطنة ومناطق صناعية مكتملة ومناطق حرة وموانئ تضاهي المواني العالمية من حيث توفر الإمكانيات وخدمات صحية وتعليمية وخدمات اتصالات وغيرها.

إلا أننا بالفعل أخفقنا في الوصول إلى العديد من الأهداف والغايات المهمة والتي تؤدي إلى تحقيق التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل للشباب العماني والذي ينادي به الجميع منذ بداية النهضة المباركة فقد تكررت المطالبات ووضعت ضمن الأولويات على الورق وفي إطار الاستراتيجيات والخطط، إلا أنها للأسف لم تتحقق على أرض الواقع إلا في بعض القطاعات وبشكل غير مرضي.
نقولها وبكل صراحة وشفافية إن الأسباب متعددة وتنقسم إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية، أما الأسباب الخارجية هي أن اعتمادنا على مصدر وحيد للدخل وهو النفط أدى إلى الوقوع تحت رحمة أسعاره والتي أخذت تتذبذب تارة بالارتفاع وتارة أخرى بالانخفاض وكنا في كل خطة نضع سعرا متوقعا لأسعار النفط، ناهيك عن بعض العوامل الاقتصادية والسياسية على مستوى العالم والتي تؤثر بلا شك على سير العملية التنموية والاقتصادية الداخلية لأننا جزء من العالم إضافة إلى الأحداث السياسية التي وقعت في المنطقة وهذه العوامل ليس لدينا وسيلة للتحكم فيها.
وهناك عوامل داخلية أدت إلى عدم تحقيق بعض الأهداف التنموية والتي أوصلتنا إلى هذه المرحلة الحرجة من العجز المالي والتراجع في التصنيف الائتماني وسوف نشير إليها هنا لكي لا تتكرر خلال المرحلة القادمة، حيث إنه وفي فترة من الفترات خاصة عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير تم الصرف ببذخ وبدون تخطيط وعلى بنود ليست أساسية ولا تساهم في تحقيق الأهداف التنموية، للأسف الشديد لم تكن هناك حوكمة على القطاع العام ولا مؤشرات قياس الأداء لذلك كان التنفيذ يتم دون مقاييس أداء واضحة وكانت كل جهة تعمل حسب اجتهادها، السبب المهم والأخير أن البعض لم يعمل بإخلاص من أجل الوطن واستغل منصبه لأغراض شخصية وكانت نظرته ضيقة جدا وكان سببا في تأخير العديد من المشاريع والبرامج التنموية لسبب أو لآخر.
التساؤل الذي يطرح نفسه ويتناوله عدد كبير من المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو ماهي الضمانات لنجاح برنامج التوازن والمالي والذي يبدأ تنفيذه هذا العام ويستمر حتى نهاية عام 2024 وماهي الضمانات لتنفيذ رؤية عمان 2040 ؟؟ قياسا على التجارب السابقة نقولها: ينبغي أن نكون متفائلين بأننا سوف نتخطى هذه العقبة وهذه الفترة العصيبة بإذن الله تعالى.
جلالة السلطان -حفظه الله ورعاه- أثناء ترؤسه لمجلس الوزراء الثلاثاء الماضي أكد على العديد من الثوابت الراسخة ضمن النهضة المتجددة وهي تنشيط وتنويع الإيرادات ودعم النمو والتوجيه الأمثل للموارد وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية ضمانا لعدم تأثر ذوي الدخل المحدود وتسهيل الإجراءات وتشجيع الاستثمار والنهوض بالقطاع الخاص وتنمية السياحة والقطاعات المولدة لفرص العمل للعمانيين وغيرها من الأسس.. هذه التطمينات والوعود من قائد البلاد -حفظه الله- كفيلة بنجاح البرنامج.
هناك أيضا إجراءات مهمة ينبغي اتخاذها ومراعاتها لضمان نجاح البرنامج والخطط المستقبلية وهي مسألة المراقبة والمتابعة وحوكمة القطاع العام ومحاسبة كل من تسول له نفسه المساس بالمال العام واستغلال منصبه أيا كان موقعه ومكانته، كما ينبغي وضع معايير محددة لتقييم الأداء أو ما يسمى بـ(KPI) يتم من خلالها محاسبة المسؤول في كل قطاع في حالة عدم تحقيقه للأهداف المرسومة وبإذن الله تعالى سوف نخرج من هذه الأزمة ونحقق الأهداف المرجوة بتعاون الجميع.