«فتوحات لغوية» .. كيف انتشرت العربية في القرون الأولى للهجرة؟

إيهاب الملاح

  • 1 –

منذُ قرأت دراسة العلّامة الراحل الكبير محمد كامل حسين عن «الحياة الفكرية والأدبية بمصر من الفتح العربي حتى آخر الدولة الفاطمية»، وتناوله المستقصي لموضوع انتشار اللغة العربية في مصر، تحديدًا خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة، لم أقرأ دراسة أخرى في إحاطتها وشمولها ومعالجتها المنهجية الحديثة للموضوع ذاته إلا كتاب باحث لغوي متميز ومحنك يعمل أستاذا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حصل على الدكتوراه عن موضوع التعريب في القرن الأول الهجري بالإنجليزية، وصدرت مترجمة إلى العربية بالعنوان نفسه وبمعرفة الباحث ذاته، وهو مجهود شاق ومضاعف تكبده الدكتور محمد الشرقاوي ليقدم لنا هذا الإسهام العلمي الرصين المحترم، وليكشف عن جانب من أهم جوانب تاريخ اللغة العربية وثرائها وهو آليات تعليمها وتعلمها في تلك الفترة الباكرة ما أدى إلى انتشارها في كل البقاع والأصقاع التي دخلها الإسلام.
بعد ما يقرب من عشرة أعوام على صدور طبعته الأولى، سيعيد المؤلف النظر في كتابه ويجري عليه تعديلات وتنقيحات تجعله أكثر يسرا وقربا من غير المتخصص ليصدر في طبعة ثانية بعنوان «الفتوحات اللغوية ـ انتشار اللغة العربية وولادة اللهجات في القرن الأول الهجري» عن دار التنوير بالقاهرة.

  • 2 –

مستعينا بحزمة منهجيات وعلوم ومعارف متداخلة، وحزمة إجراءات تحليلية وآليات إجرائية، يقدم الباحث محمد الشرقاوي بحثًا ممتعًا وعميقًا ومستوعبًا لحركة انتشار اللغة العربية في رقعة واسعة من البلدان والأراضي التي دخلها الإسلام فاتحا واستقر بها واتخذها قاعدة لنشر الديانة الإسلامية، واللغة والثقافة العربية، وبخاصة مصر، ويتصدى الكتاب للإجابة عن الأسئلة المهمة التالية: كيف تعربتِ البلدان التي دخلها الإسلام؟ وكيف تميزت بلهجاتها الدارجة المعروفة حتى الآن بتطوراتها التاريخية واللغوية؟
يحاول الكتاب البحث عن إجابات علمية للأسئلة السابقة، مع طرح تفسير علمي متكامل لمسار حركة وتطور اللغة العربية في القرن الأول الهجري، ويحاول المؤلف تتبع الرحلة المثيرة للفتوحات اللغوية العربية التي استبدلت اللغةَ العربية باللغات القائمة حينها في البلدان المفتوحة.. كما يبحث الكتاب تفصيلا في كيفية تعريب الأمصار الإسلامية في القرن الأول الهجري، في محاولة علمية لتفسير ظهور اللهجات العربية الحديثة وتبايناتها، وتشابهاتها، واختلافها جميعا، مع اللغة العربية قبل الفتوحات العربية.
وهي بذلك تعد أول دراسة تحاول أن تدرس هذه الفترة في تاريخ اللغة العربية، كما تحاول أن ترسم التاريخ اللغوي الاجتماعي للأمصار الإسلامية وقت الفتوحات، وتأثير حالة التحول اللغوي الجماعي من اللغات المحلية إلى العربية على بنية اللغة العربية وتطور اللهجات.

  • 3 –

يقدم المؤلف بين يدي كتابه بهذه الكلمات:
«بين يديك عزيزي القارئ الطبعة الثانية من هذا الكتاب الذي عندما كتبته في عام 2006، كنت أسعى أن يكون الخطوة الأولى في مشروع أكاديمي لغوي ممتد يهدف لتقديم تاريخ للغة العربية بشكل عام. ولم أكن وقتها من الرومانسية لأن أتخيل أنني سأستطيع في حياتي المفردة أن أقدم لك تاريخًا للعربية عامية وفصحى ولهجات وهجن وجزرًا لغوية، فقد كنت أعرف وقتها كما أعرف اليوم أنها مهمة تنوء بحملها الجبال ويقصر عنها عمر فرد ولو اعتكف عليها».
ولهذا فقد فكر الباحث أنه من حسن البداية أن يكتب تاريخًا للعربية يتناول استراتيجيات تطورها والعوامل اللغوية وغير اللغوية التي أدت لهذا التطور وأدت به بشكله هذا دونًا عن أي شكل آخر من أشكال التطور اللغوي الذي يصيب لغات العالم. ومن ثم «يستطيع الباحث من بعدي أن يعود لتلك المبادئ والاستراتيجيات فيطبقها على أي فترة لغوية يهتم هو بدراستها ويفصل في مدى استجابة العربية لتلك العوامل غير اللغوية وكيفية تعامل أنساقها التركيبية مع التطورات اللغوية التي حدثت في أنساق أخرى».
بدأ الباحث بتاريخ العربية منذ الفتوحات، لأن تأثير العوامل غير اللغوية واضح جدًا في تلك الفترة، ولذا فإنه خصص فصلًا كاملًا من الطبعة الأولى ليصِل للظروف الاجتماعية السكانية التي كانت في الأمصار العربية بعد الفتوحات، والتي سهلت تعلم العربية بالشكل الذي سيفصله في متن الكتاب، وليس بطريقة غيرها. كما أولى الباحث الأمصار قبل الفتوحات العربية اهتمامًا كبيرًا لأنه افترض أن الحالة الاجتماعية اللغوية في تلك المناطق قبل الفتح كان لها أثر داعم في تعريب الأمصار بشكل كامل.
يقول «غير أنني لم أكن في تلك الفترة قد طورت الإطار النظري الكامل بشكل يسمح لي أن أضمنه الكتاب، فآثرت ألا أكتب في النظرية في الطبعة الأولى. أما الآن وقد تمكنت من تصوري النظري -أو هكذا أحب أن أزعم- فقد أصبح من الممكن أن أسرده لك في متن الكتاب آملًا أن يسهم في تقديم تصوّري عن كيفية تطور اللغات عمومًا والعربية خصوصًا أنه يمكن تطبيقه بشكل أكثر تفصيلًا في دراسات أخرى يحتاجها تاريخ العربية المبهم والمغلوط فهمه لحد كبير».

  • 4 –

ينطلق الباحث في كتابه الطموح من فرضية أساسية، هي أن عملية التحول اللغوي الواسعة والتي تبدو كما لو كانت جماعية من اللغات المحلية للعربية في تلك البلاد إنما كانت عبارة عن تعلم للغة أجنبية جديدة.
من أهم العناصر في توجيه عملية التعلم تلك هو المدخل اللغوي القابل للتعلم، والذي قدمه ابن اللغة العربية للمتعلم الأجنبي في البلاد التي دخلها الإسلام فاتحا، والذي هو المصري أو الشامي أو الليبي أو الزنجباري.. إلخ في ذلك الوقت.
يؤكد الباحث أن العديد من الأسباب التاريخية أدى إلى غياب عملية تعليم منظمة للغة العربية لأبناء اللغات الأخرى في تلك المرحلة في الأمصار المفتوحة، وفي ظروف كتلك يصبح نوع المدخل اللغوي المطروح للتعلم وكميته ونسبة إتاحته من أهم العناصر في عملية تعلم لغة أجنبية غير منظمة، ففي حالات تعلم اللغة بشكل غير منظم يكون المدخل اللغوي من قبل ابن اللغة الهدف معدلا، كما يحدد بعض العناصر السكانية الاجتماعية التاريخية نوعية هذا المدخل بشكل كبير.
وكانت الظروف الاجتماعية والتاريخية والسكانية في الأمصار المفتوحة ولمدة عقود قليلة من الفتح تقضي بأن يقدم العرب لغير العرب مدخلا لغويا عربيا معدلا، أما الغرض من هذا التعديل اللغوي «وظيفي».
فهو يسهل التواصل بين أبناء اللغة الهدف (وهي العربية في هذه الحالة) وبين أبناء الجماعات اللغوية الأخرى التي لا تتكلم تلك اللغة، لذا «فمن الممكن أن نفترض أن اللهجات العربية الحضرية الحديثة إنما نتجت جزئيا على الأقل من هذا التعديل اللغوي. وهذا يعني أن الفروق بين اللهجات العربية الجاهلية القديمة في شبه الجزيرة العربية القديمة واللهجات الحضرية الحديثة إنما ترجع إلى تلك العملية ولهذا المدخل اللغوي المعدل» بحسب الباحث.

  • 5 –

انطلاقا من الفرضية السابقة يطور الباحث نظرية كاملة تؤرخ لعملية التعريب كما جرت في القرن الأول الهجري متخذا من مصر نموذج حالة إذا جاز التعبير، وقد استفاد المؤلف في دراسته تلك التي كتبت في صورتها الأولى كأطروحة علمية حصل بها على درجة الدكتوراه من جامعة رادبود نايميخن بهولندا في اللغويات التطبيقية، من حصيلة واسعة من المعارف اللغوية في التراث العربي القديم بموازاة الحفر والتنقيب في العلوم اللغوية الحديثة واكتساب المنهجيات المعاصرة في اللغويات التطبيقية، والاطلاع على أحدث الدراسات الغربية في اللسانيات الاجتماعية عموما، وعلم اللغة العربية وتطوراتها التاريخية ولهجاتها خصوصا، مضيفا إلى ذلك خبرة نوعية كبيرة من عمله ودراسته بحقل تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها.
«الفتوحات اللغوية – انتشـار اللغـة العربيـة وولادة اللهجـات في القرن الأول الهجري»، بحث لغوي رفيع جدير بالقراءة والنظر، وواحد من الكتب التي تثير الشهية والفكر والسؤال!