عمان والعهد الثقافي

محمود الرحبي –

تابعتُ، مساء الثلاثاء، اللقاء الذي أجري في فضاء النادي الثقافي مع وكيل الثقافة، السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي. والحقيقة أنّ اللقاء لامَس طموحنا، بل إنه رفع السّقف، في كثير من جوانبه، إلى أفق انتظار طالما شكّل “حلما” بعيد المنال بالنسبة إلى متابعي الشأن الثقافي العماني. واتّسم حديث الوكيل بالمعرفة والدّقة، بإحاطة ووعي بأهمية كلّ جانب من جوانب الموضوع المطروق. فقد تحدّث فيه عن مشاريع كانت في ما سبق أشبه بمطمح صعب المنال، ظللنا سنوات طويلة نتطلع لأن يتحقّق. ولأن اللقاء يعبّر عن نفسه، وهو بالمناسبة متاح لمن أراد أن يتابعه في بوابة النادي الثقافي الإلكترونية، فإني لا أرى داعيا لذكر تفاصيله وتفنيدها. وأحاول بناء على ذلك أن أوجّه مقالي هذا جهة أخرى، ربما ستفيد وتساعد في إضافة عناصر جديدة وتعزيزها، إلى جانب إيضاح أهمية ما طُرح في اللقاء، خصوصا للشباب، أو لإبراز حضارة عمّان من زاوية تناول أشمل. لا شكّ في أن إثارة موضوع ثقافي في هذا الوقت جدير بأن يجعلنا نتفاءل غاية التفاؤل، ليس فقط لأنّ مشاريع ثقافية بدأت تُنجز وسترى النور في الأيام القليلة المنظورة؛ تفاؤل يمكن تفسيره أيضا بكون تفكير الحكومة في الثقافة، في بلد يمتلك مقومات ثقافية وحضارية يصعب حصرها، تفكيرٌ ذكي وحيوي يصبّ في اتجاه استثمار ثروة مجمدة لطالما تم إهمالها وتعطيلها، بل ضاع الكثير منها. ويكفي أن نشير هنا فقط إلى كلّ القرى الأثرية التي فقدناها لنُصاب بالذهول؛ وقسْ على ذلك ما “اقترفنا” في حقّ العديد من تمظهرات موروثنا بشقيه الملموس واللامادي. ولا بأس أيضا في أن أذكر بدور المثقف في هذا الوضع الحساس، فالواقع القائم اليوم يطرح تحدّيات حقيقية، إضافة إلى تجلّيات العنف الذي نشهده في العالم، والذي يتفاقم بصورة مفزعة. كما أدعو إلى فتح أفق لاقتراحات جديدة ستساهم كثيرا ولا شك في حلحلة الوضع وإيجاد أرضية مشترَكة لمعالجة اختلالاته. ونحن نعرف أننا، فوق ما تكتنز عمان من ثقافة مادية ثرية، تمتلك أيضا ثقافةَ قيم في غاية الأهمية ويجب إشاعتها بتسليط الضوء عليها ونفض الغبار عنها. ولا أتحدث هنا فقط عن قيمة التسامح والتفاهم كلافتة وعنوان عام، إنما عن قدرات كبيرة، ظلت -مع الأسف- مشلولة وغير مطروقة، بدواع وتبريرات لا أساس لها. فهل فكّرنا، مثلا، في استثمار طاقة الفنانين العمانيين في توجيههم نحو التنمية الثقافية؟ على سبيل المثال، مدينة مثل مطرح، التي تمتلك مقومات كبيرة للتنمية الثقافية، بخلق مهرجان ثقافي على طول العام كمعظم المدن التي تشكل ما يشبه “متحفا” مفتوحا للجميع. إن فنانينا قادرون على أن يفعلوا الكثير لتزيين هذه المدينة العريقة؛ والأمثلة كثيرة في مدن العالم في هذا المنحى. ولا يحتاج الأمر إلى “تكلفة” أكثر من الغيرة والوطنية. ولا يساورني الشك لحظة في أن هناك فنانا عمانيا سيرفض أن يساعد وطنه في ظروف كهذه؛ في الوقت الذي تسعى الدولة إلى استثمار مختلف مواردها لأكبر مدى ممكن. والحقّ أننا في عمان نمتلك من مقومات طبيعية تركها لنا الأجداد ولكننا أهملناها، مع الأسف، أو أغفلناها وأغلقناها ولم نُضف عليها الكثير. وفي هذا السياق، أستحضر، مثلا، القلاع العظيمة المغلقة والتي بنيت في أجمل المواقع؛ يطلّ بعضها على مواقعَ بحرية والآخر على مرتفع أو سهل أو سهب.. ونحن نعرف أن القلاع كان يبنيها الحكام، وبالضرورة يختارون أفضلَ الأماكن والواجهات. ولكننا اكتفينا بالحفاظ عليها وترميمها ولم نستثمرها في سياق التنمية الثقافية، التي من شأنها أن تفيدنا في أكثر من ناحية، اقتصاديا وثقافيا وحضاريا. لنا تراث غني في الموسيقى الشعبية لم نسوقه كما يجب. ولنا موروث “ضخم” من الحكايات يمكن أن تشكّل اشتقاقات لإنتاج سينمائي ودرامي وأدبي، تجعل عمان تحقق طفرة نوعية ومتميزة في هذا الجانب. ولكننا اكتفينا بمجلدات قليلة وإن كانت شديدة الأهمية؛ إنما ثمة مناطق كثيرة لم يشملها هذا المسح. ونحن نعرف أن مصارد هذه المحكيات هم كبار السنّ وهؤلاء، بحكم الطبيعة والزمن، في تناقص متواتر. كما لنا طاقات فنية كبيرة لكنها تظلّ حبيسة المعارض والأروقة الضيقة.. فماذا لو أطلقنا لهم العنان للعمل والمساهمة في التنمية الثقافية الشاملة، وهم لا شكّ مستعدون لخدمة وطنهم في مختلف الظروف؟.. ولنا أيضا عدد وافر من الخطّاطين والنسّاجين خلفوا لنا تراثا قائما بذاته، لكنهم ظلوا -مع الأسف مجددا- مجرّد ذكرى لا نعرف عن تفاصيل مشتاقتهم الكثير.. لنا كذلك أفلاج نشطة لم تختر منها منذ مدة “يونسكو” خمسة اعتباطا، وإنما لأمر ذي دلالة ((حقيقية)). لكننا لم نستمثر هذه الأفلاج، تنموياً، كما يجب. ولنا تواشُج جميل مع القارة الإفريقية؛ تواشج حضاري مشعّ، إذ ترك فيها العمانيون صروحا وشواهد، كما تركوا مجلات ومطابع في وقت كان المستعمر يهتمّ فقط بامتصاص دماء الشعوب الإفريقية وتجهيل واستنزاف خيراتها.. ورغم ذلك بذل العمانيون ما يستطيعون من جهد، حسب الإمكانات المتاحة لهم، لكي يخلقوا مناخا ثقافيا لهم، لأنهم تعاملوا مع تلك البلدان على أنها أوطانٌ لهم وليست مجرّدَ أماكن للاستغلال، كما فعل المستعر الأوروبي.. ونحن نعرف ماذا ترك سلاطين زنجبار من معالم ما زالت تستخدم كمقرات حكومية. لا شكّ في أن لنا إمكانات كبيرة ليس فقط لإفادة أنفسنا وتحصينها، وإنما أيضا لإفادة الآخر وتصدير إمكانياتنا على أكثر من صعيد وتعريف العالم بها. وبإمكاننا أن نحول كل جانب سلبي أو خلافي إلى أمر إيجابي يحتضن الآخر ويكسبه. ولا شك في أن الثقافة والفن كفيلان بأن ((يذيبا)) الكثير من سلبيات المجتمع، فهي تملأ فراغ العاطل وتحسّن حواسه وتهذبها. كما أنها أفضل ضمان للأمم في مواجهة التطرّف الديني وأحادية النظرة، نظرا إلى ما توفره الثقافة والفنون من رقي للمجتمعات. فالثقافة والفنون عابرة لكل الأفكار الضيقة ومصفاة أساسية لرقيّ الأمم وتقدمها. كما أن عمان ليست فقط بلدا نفطيا، بل إن النفط هو ((عابر عليها)).. إنها بالأساس بلد فنون وثقافة، وهذا الفن نراه مبثوثا في جميع مستويات البناء والتفكير، سواء في ما يتعلق بتنوع الغناء الشعبي أو فنون القول والكتابة المختلفة أو حتى على مستوى العمران، إلى جانب أن الله حباها بشواطئ تنطق، هي الأخرى، بأبهى تجليات الفنّ الجغرافي الطبيعي. لذلك فإن تفعيل التراث الثقافي والحضاري واستثماره والبحث في رفد التنمية والاقتصاد من خلاله، أصبح ضرورة ملحة؛ ولن أبالغ في القول بأن عمان هي في الأساس ثروة ثقافية لها مشتاقتها وأبعادها غير المحدودة، وأننا لو أحسنا الإصغاء إلى ثرواتنا الثقافية الكبيرة لاستطعنا أن نستخرج من الموارد المتنوعة والمستدامة الكثير .