مرآة أليس “١”

أمل السعيدي
كتبتُ في عمر العشرين أولى القصص القصيرة التي عزمتُ على نشرها. كانت عن زيارة لدار المسنين محفزةً بزيارة قمتُ بها بالفعل للدار في أيام دراستي في الكويت. وفي طريق الذهاب إليها، اخترتُ أن أحمل شخصيتي المتخيلة كتاب “الغريب” لألبير كامو، رغبةً مني في الإيحاء بميولها، وتبرير عزلتها عن بقية راكبات الباص، لم أقل آنذاك أنها شخصية انفصالية، واعتمدتُ كليًا على قارئ يشترك معي في الشكوك نفسها وفي القراءات نفسها، كان اعتمادي على “الغريب” هو اعتماد على أيقونيتها وعلى كل ما تمثله. بعد ذلك ستصبح هذه الإشارات بالغة الأهمية بالنسبة لي عندما أقرأ، يا ترى ما الذي أشتركُ فيه مع الشخصية الروائية التي أقرأ عنها؟ كيف أتعرفها عبر تاريخنا القرائي المشترك. في رواية الروائي اللبناني ربيع جابر “رالف رزق الله في المرآة” تهذي الشخصية بحضور كتاب “اللاطمأنينة” لبيسوا وقد ترجمها ربيع جابر بـ”اللا-دعة” لأنه قرأ الكتاب بالإنجليزية فاختلفت عن العنوان في العربية بترجمة المهدي الخريف. ومع ذلك أسس هذا لعلاقة خاصة بيني وبين رالف الذي يعيش في قبو فقير، منسلاً من دوره الاجتماعي ومنسحبًا من فرص تبدو أفضل إلا أنه لم يعد قادرًا عليها. الكتب التي تتحدث عن القراءة، عن هذا الهوى الجارف، كتب يحبها القراء في العادة، بل وتعد صيدًا ثمينًا للناشرين، إننا نتفق ضمنيًا مع ذلك الكلاشيه “قل لي ما تقرأ أقول لك من أنت” إلا أن هذه الكتب ليست جميعها بالجودة نفسها، وشخصيًا أفضل الكتب التي لا تتحدث عن الكتب المقروءة فحسب، بل الرحلة التي قطعها القارئ نحو ذلك الكاتب تحديدًا، ذلك الشوط الساحر من الوصول للنبع. قال لي صديقي أنه بحث كثيرًا عن “الفردوس المفقود” لدالتون بترجمة محمد عناني، امتد بحثه لسنوات ومع أطياف عديدة من البشر حتى تحصل عليها مع من لم يتوقع! وفور البدء بقراءة الكتاب، نضبَ فضوله، لكنه يتذكر عملية البحث تلك كما لو أنها الجوهرية، لابد وأن رحلة البحث عن كتاب هي مغامرة حقة! وبهذا فإنني في الروايات لم أعد أكتفي بطيف الكتاب المشار إليه، بل أصبحتُ متطلبة، عطشى للمزيد، وقد وجدتُ مطلبي في أعمال عديدة من بينها “أن تقرأ لوليتا في طهران” هذه الرواية التي تصور اجتماعًا نسويًا لطالبات شغوفات في الأدب يتقاطعن مع أعمال أدبية نوعية برفقة أستاذة جامعية متخصصة في الأدب، لم يكن عرضًا للروايات فحسب، ولم تكن الاختيارات تستقرئ ميول القراء بل إنها جزء من الفضاء العام الذي تتشكل فيه هذه اليوميات، فعلى سبيل المثال نتعرض لردة فعل الطلبة في الجامعة منقسمين في رأيهم –وبتطرف– حول تفسخ رواية لوليتا لفلاديمير نابكوف، إبان القراءة الحرفية للأدب، والنزوع نحو قراءة الأدب على طريقة آذر نفيسي واعتبار الرواية عملًا مضادًا للسلطة والشمولية وذلك في الوقت الذي تقوم فيه الثورة الإيرانية! عرجتُ بطبيعة الحال على ألبيرتو مانغويل، القارئ الأكثر شهرة، لكنه لم يرق لي على الإطلاق، ربما لأن شيئًا في الموسوعية ينفرني، أو لأنه يتعامل مع القارئ كمن قرأ بالفعل كل تلك الأعمال التي لا أعرف كيف أنطق أسماءها! حتى تعثرتُ مؤخرًا على أمبريتو إيكو وفي روايته الفاتنة “الشعلة الخفية للملكة لونا” حيث يفقد يامبو ذاكرته ما عدا تلك التي عن الكتب، لكنه يعيد اكتشاف ما قرأ من الصفر، إنها الرحلة الأكثر سحرًا من تلك التي أتطلع إليها.