«خطة التوازن» تقود السلطنة إلى مستوى مالي آمن

تهدف للوصول إلى الاستدامة المالية ويصاحبها نظام وطني للحماية الاجتماعية –

«عمان»: كشفت السلطنة أمس عن تفاصيل خطة التوازن المالي متوسطة المدى التي يبدأ تطبيقها بداية العام القادم وتستمر حتى عام 2024، وبدا أن الخطة تهدف إلى الوصول بالوضع المالي إلى مستويات الاستدامة، وليست مجرد خطة إنقاذ بعد أن تفاقمت المشاكل المالية جراء تأثيرات جائحة كورونا وشلل الكثير من قطاعات الإنتاج، والتراجع الكبير لأسعار النفط الذي من المتوقع أن يستمر خلال الفترة القادمة وإن بدأ في الصعود فإن ذلك سيتم ببطء شديد وفق توقعات مؤسسات اقتصادية عالمية متخصصة.
ورغم أن بعض برامج الخطة المالية وتدابيرها، وفق ما أعلن أمس، ستؤثر على المواطنين ومستويات معيشتهم إلا أن القائمين على بناء الخطة أكدوا مرارا أنها ستكون مصحوبة بنظام وطني للحماية الاجتماعية سيحاول حماية ذوي الدخل المحدود وأسر الضمان الاجتماعي خاصة فيما يتعلق «بإعادة توجيه الدعم الحكومي المقدم للكهرباء والمياه» المزمع تطبيقه في يناير القادم ويستمر بشكل متدرج حتى عام 2025. ومبادرة إعادة توجيه الدعم الموجه للكهرباء والمياه وهي المبادرة الأكثر تأثيرا بشكل مباشر على المواطنين خاصة إذا ما قورن تأثيرها بتأثير «ضريبة القيمة المضافة» التي يتركز أثرها على أصحاب الدخول العالية.

20 مليار ريال عجز تراكمي!
وتواجه السلطنة أحد أسوأ الأزمات المالية التي مرت عليها خلال العقود الثلاثة الماضية جراء أزمة تراجع أسعار النفط التي بدأت في أواخر عام 2014. وتسببت الأزمة، التي كان الاقتصاديون يعتقدون أن دورتها الزمنية قصيرة، ولن تطول لأكثر من سنتين، في تراكم عجز مالي بلغ في نهاية العام الماضي أكثر من 20 مليار ريال عماني «كان في عام 2014 قد بلغ 1.1 مليار ريال فقط». واضطرت السلطنة التي لم يكن دَينها في عام 2014 يتجاوز 1.5 مليار ريال عماني «900 مليون دينا داخليا و600 مليون ريال دينا خارجيا» لموجة من الاقتراض، لسداد العجوزات المالية، بلغ في نهاية العام الماضي 17.6 مليار ريال عماني «4.3 مليار ريال قروض محلية و13.3 مليار ريال قروضا خارجية». وتتوقع وزارة المالية أن يبلغ العجز التراكمي في السلطنة في عام 2025 ما مقداره 47 مليار ريال عماني! وبنسبة تتجاوز 16% بالنسبة إلى الناتج المحلي وهذا معدل خطير جدا، حيث إن خبراء المال والاقتصاد يعتبرون تجاوز العجز نسبة 3% مؤشر خطر حقيقي، فكيف إلى تجاوز 16%. وخيبت هذه الأرقام المخيفة الكثير من آمال النمو الاقتصادي، وكذلك توقعات الكثير من المنظمات الدولية التي كانت تصنف السلطنة إلى سنوات قليلة ماضية في مستويات مالية واقتصادية آمنة. ولم يكن يتوقع أن تشهد أسواق النفط تلك الخسائر التي وصلت حدها الأدنى في العام الجاري.
لكن الخطة التي أعلنتها السلطنة تقدم طريقا آخر من شأنه أن يوصل الميزانية العامة للدولة إلى منطقة آمنة جدا في غضون أربع سنوات فقط، ويحيل الأرقام المرعبة أعلاه إلى أرقام خضراء تعيد السلطنة إلى مساحات أكثر آمانا في الجوانب المالية والاستثمارية. ورغم أن تطبيق الخطة في حد ذاته تحد كبير إلا أن الحل الأمثل في الوقت الحالي خاصة إذا ما أردات السلطنة بناء استدامة مالية غير مرهونة بتقلبات أسواق النفط.
عام العجوزات وكورونا
وكانت السلطنة تهدف خلال بناء الموازنة العامة للدولة للعام الجاري إلى خفض العجز المالي إلى حدود 2.5 مليار ريال عماني بنسبة انخفاض تبلغ 7.9% عن مستوى العجز في عام 2019 لكن تفشي جائحة كورونا المستجد أثرت على ذلك الهدف بشكل كبير جدا، وتدهورت الأمور المالية إلى حدود لم تكن متوقعة حتى في رسم السيناريوهات الأسوأ للعام الجاري.
وتوقع تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في اكتوبر الماضي عن صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنسبة 10% و0.5% في العام الجاري والعام القادم على التوالي. وبسبب جائحة كورونا فإن التوقعات تشير إلى انخفاض الإيرادات المالية للدولة على المدى المتوسط، وهذا من شأنه أن يتسبب في الكثير من العجوزات المالية بمتوسط سنوي لا يقل عن 5 مليارات ريال عماني.
وجراء ما سبق تراجعت التصنيفات الائتمانية السيادية للسلطنة إلى معدلات صعبة جدا تصعّب حصول السلطنة على قروض جديدة، وفي حالة الحصول عليها فإن فوائدها ستكون عالية جدا. وتصاحب مثل هذه القروض في الغالب كلفة سياسية باهظة الثمن، حيث تضطر الدول إلى الرضوخ إلى شروط الدائن مهما كانت مجحفة. وليست السلطنة من الدول التي تقبل بمثل هذه الشروط التي يمكن أن تختطف مواقفها السياسية والسيادية.
الأداء المالي
سعت الحكومة إلى التكيف المالي منذ تراجع أسعار النفط أواخر عام 2014 وأدت الجهود المبذولة في هذا الصعيد إلى خفض عجز الموازنة مقارنة مع المستويات التي كان من الممكن أن يصل إليها هذا العجز في حال لم يتم اتخاذ تلك الإجراءات.
وحسب المؤشرات فإن حوالي 20% من الآثار المالية التي حققتها جهود التكيف المالي قد جاءت من جانب الإيرادات غير النفطية، وساهمت هذه المبادرات خلال الفترة من العام 2014 إلى العام 2019 في تحقيق زيادة مصادر الإيرادات غير النفطية بنسبة 17% نتيجة تطبيق الضريبة الانتقائية وتعديل ضريبة الدخل على الشركات ومراجعة رسوم الخدمات الحكومية.
وكلك خفض مصروفات الوحدات الحكومية بنسبة 13% أغلبها تتعلق بالعقود والمشتريات، وكذلك خفض المصروفات الاستثمارية خلال نفس الفترة بنسبة أكثر من 20% وذلك من خلال تبني منهجية دقيقة لتقييم ومراجعة كافة تفاصيل المشاريع الجديدة قبل اعتمادها وإدراجها في الموازنة العامة للدولة. وخفض الدعم الحكومي وخفض هذا الإجراء ما يقارب 50% في معدل الدعم الموجه لبعض الخدمات العامة بما فيها الوقود.
استدامة وليس إنقاذا
تضع خطة التوازن المالي في أولى أولوياتها التنوع الاقتصادي والاستدامة المالية، وكذلك القطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي وحوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع وكذلك توفير الرفاه والحماية الاجتماعية. وتقوم خطة التوازن على مبدأ التحكم في الوضع المالي الناجم عن الأزمة المالية العالمية وإدارة المخاطر المرتبطة بها للخروج من حالة التراجع المستمر للوضع المالي وما يستتبعه من تراجع في التصنيف الائتماني للسلطنة.
وإذا ما خرجنا من الكلام النظري إلى لغة الأرقام فإن الخطة وفق الرسوم البيانية والجداول المصاحبة لها تتوقع أن يتراجع العجر السنوي من أكثر من 4 مليارات ريال عماني في العام الجاري إلى 537 مليون في عام 2024 وتتراجع نسبة العجز إلى الناتج المحلي من 15.8% في العام الجاري إلى 1.7% في عام 2024. وترتفع الإيرادات الحكومية من 8.6 مليار ريال في العام الجاري إلى أكثر من 12 مليار ريال في عام 2024. وترتفع نسبة الإيرادات غير النفطية من 28% كما هي في العام الجاري إلى 35% في عام 2024م.
وتتشكل الخطة من عدة مبادرات تشكل في مجملها الأدوات التي تساهم في تحقيق الأثر المالي المستهدف. وأول تلك المبادرات مبادرة تعزيز عوائد الاستثمارات الحكومية. ويمكن القول أن هذه المبادرة بدأت بالفعل من خلال إنشاء جهاز الاستثمار العماني. أما المبادرة الثانية فتتمثل في تعزيز إدارة الضرائب والتحصيل الضريبي، والمبادرة الثالثة تتمثل في تطبيق ضريبة القيمة المضافة وقد أعلن عنها ويبدأ تطبيقها في أبريل من العام القادم.
وتتمثل المبادرة الرابعة في ضريبة الدخل المرتفع على أصحاب الدخل المرتفع. لكن هذه المبادرة ما زالت في مرحلة الدراسة. ومن المنتظر أن يتم تطبيقها في عام 2022. ولم تحدد الخطة حتى الآن تعريفا لمصطلح «أصحاب الدخل المرتفع». إلا أن الخطة اعتبرتها «أداة مالية تعتمد عليها الكثير من دول العالم كمصدر رئيسي لتمويل الخدمات التي تقدمها للمجتمع وكذلك من السياسات المستخدمة في برامج إعادة توزيع الدخل».
دعم الكهرباء والمياه
تبلغ التكلفة السنوية التي تقدمها الحكومة لدعك الكهرباء والمياه 750 مليون ريال كل عام بمعدل 5% من الميزانية العامة للدولة، وهي تكلفة تعادل التكلفة المقدمة للقطاع الصحي. ورغم أن الخطة لم تتحدث بالتفصيل عن مبادرة إعادة توجيه دعم الكهرباء والماء إلا أن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن المبادرة سيبدأ تطبيقها مع بداية العام القادم، وسيعاد جدولة التعرفة الحالية لتتحول إلى ثلاث شرائح. تبلغ التعرفة مبدئيا على الأقل، 15 بيسة للشريحة الأولى و20 بيسة للشريحة الثانية و30 بيسة للشريح الثالثة. وستطبق هذه التعرفة بدءا من العام القادم، إلا أن الدعم في المرحلة الأولى سيرفع عن فئة كبار المستهلكين، وفي عام 2023 سيرفع الدعم عن أصحاب الحسابات السكنية من غير العمانيين وعن العمانيين الذين يملكون أكثر من حسابين سكنيين. ويكتمل رفع الدعم عن حسابات العمانيين السكنية بالكامل في عام 2025.
ويحضر نظام الحماية الاجتماعية عند تطبيق هذه المبادرة. حيث سيبقى الدعم لأصحاب الدخل المحدود والضمان الاجتماعي. حيث سيبقى الدعم الحكومي لأصحاب الدخل الذي يقل عن 500 ريال مهما كان عدد أفراد الأسرة، وكذلك لأصحاب الدخل البالغ 750 ريالا إذا كان عدد أفراد الأسرة 5 أفراد أو أكثر، وأصحاب دخل 1000 ريال إلى كان عدد أفراد الأسرة 7 أفراد أو أكثر، وأصحاب الدخل الذي يبلغ 1250 ريالا إذا كان عدد أفراد الأسرة أكثر من 9 أفراد، ولا يستحق الدعم من زاد دخله على 1250 ريالا مهما كان عدد أفراد أسرته.
ولا يحسب الدخل هنا لرب الأسرة فقط، بل دخل جميع الأسرة التي تتشارك في نفس المنزل.