نوفمبر المجيد وإرادة «الأمانة التاريخية»

اليوم بتوقيت الزمن الخطي لدى الأمة العُمانية هو الأول من نوفمبر المجيد من عام 2020، وبتوقيت الحضارة فيها فإن عقارب الزمن تشير إلى أكثر من عشرة آلاف عام موثقة ومنقوشة على صفحة التاريخ منذ أن كانت الصخور الصلدة أوراقه، والأزاميل أقلامه، والإرادة حبره الذي لا ينضب، رغم متغيرات هذا الكون وعواديه. أمّا اليوم بتوقيت سلطنة عمان الحديثة فنصف قرن من العمل الدؤوب أعاد لعُمان وإنسانها مكانتهما السامية بين الأمم والشعوب بروح العزيمة العظيمة التي رافقت عمان طوال تاريخها.
ولأنّ زمن عُمان لا يتوقف، أبدًا، فإن نهضتها لا تتوقف أيضا، بل تستمر وفق خط حضاري ممتد في التاريخ يعرف مساره جميع العمانيين، ويؤكد عليه دوما قادة عُمان العظام وهم يبنون فوق مجده أمجادًا.
زمن الإرادة العمانية الضارب في عمق التاريخ والمنطلق، رؤيةً وبناءً، إلى أبد المستقبل أكد عليه خطاب قائد نهضة عمان المتجددة، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أعزّه الله، في فبراير الماضي في إشارته إلى «الأمانة التاريخية»، وإلى المكانة الحضارية لعُمان وديمومة تلك المكانة حين يقول حفظه الله: «لقد عرف العالم عمان عبر تاريخها العريق والمشرّف كيانا حضاريا فاعلا ومؤثرا في نماء المنطقة وازدهارها واستتباب الأمن والسلام فيها، تتناوب الأجيال على إعلاء رايتها، وتحرص على أن تظل رسالة عمان للسلام تجوب العالم حاملة إرثًا عظيما وغايات سامية، تبني ولا تهدم، تقرّب ولا تبعد، وهذا ما سنحرص على استمراره معكم وبكم لنؤدي جميعًا بكل عزم وإصرار دورنا الحضاري وأمانتنا التاريخية».
وإذا كانت للأمم والشعوب أوقاتٌ تقف فيها مستذكرة مسيرتها وناظرة إلى المكانة التي وصلت إليها فإن الزمن يشير اليوم إلى مطلع نوفمبر، الشهر الذي يحتفل فيه العمانيون بعيدهم الوطني، ويستذكرون فيه مسيرة نهضتهم الحديثة ويستحضرون اللحظات والمشاهد التي مرت بهم وهم يديرون عجلة البناء نحو المستقبل. وفي هذا التاريخ بالذات يتذكر العمانيون السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، وما أنجزه في عمان خلال مسيرة العقود الماضية، برؤية ثاقبة وعزيمة ماضية، وما أرساه من نهضة جبارة شهد لها العالم، ويتذكرون ما أسسه مِن قبله كلُّ قادة عمان الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية «الأمانة التاريخية» من خلال التمسك بالقيم الحضارية والسياسية الراسخة في تاريخها العظيم.
ورغم التحديات التي يمر بها العالم أجمع خلال هذا العام إلا أن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أعزه الله، استطاع أن يؤسس لأرضية قوية تعبر منها عمان مرحلة التحديات وتواكب المتغيرات الإقليمية والعالمية وهي تستعد لتطبيق «رؤية عمان 2040» في ترسيخٍ وتأكيدٍ على مسيرة الحضارة والتنمية في عمان.
ولا شك أن ترسيخ قيم عمان الحضارية يتطلب تضافر جهود جميع أفراد الشعب العماني الأصيل، وبشكل خاص شبابه الذين خاطبهم جلالة السلطان في خطابه فبراير الماضي بالقول: «إن الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب وسواعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها، وسوف نحرص على الاستماع لهم وتلمس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحق».
وعمان تهتم على الدوام بشبابها الذين يضمنون استمرار زمنها في السطوع والألق الحضاري، وهذا ما أكد عليه صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب في الكلمة التي خاطب بها الشباب في يومهم مؤكدا على «وضع الآليات المناسبة للإنصات للشباب واستطلاع آرائهم بما يجعلهم شركاء حقيقيين في وضع الخطط المستقبلية والبرامج الشبابية التي تستهدف واقعهم والتركيز على البرامج التي تكسبهم المعارف الجديدة وتعزز من قدراتهم».
كل هذا يعطي الزمن العماني ديمومته واستمراره عبر الأجيال وعبر الحقب، جيلا بعد جيل وسلطانًا يحمل «الأمانة التاريخية» بعد سلطان، في مسيرة عظيمة تمضي بعمان دومًا نحو مستقبل أكثر ازدهارًا ونماءً، وأمنًا واستقرارًا.