متى تستعيد سوريا مقعدها في الجامعة العربية؟

د. عبدالعاطي محمد –

في 12 نوفمبر 2011 قرر وزراء الخارجية العرب في اجتماع طارئ تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية اعتبارا من يوم 16 من الشهر نفسه، وذلك ردا على رفض سوريا الالتزام بخطة عربية تم الإعلان عنها في يوم 2 نوفمبر، طالبت بوقف العنف وبدء حوار بين الحكومة والمعارضة، إلا أن الجيش السوري استمر في قمع المتظاهرين، مما اضطر الوزراء العرب إلى اتخاذ قرار بتعليق العضوية حماية للمدنيين، ووافق على توفير حماية دولية لهم.

كما طالب الوزراء وقتها بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الحكومة السورية، وكذلك بسحب السفراء، إلا أنهم اعتبروا الأخير شأنا سياديا للأعضاء.
ومع ذلك فإنه طوال 9 سنوات مضت لم يخلُ المشهد السوري برغم سخونته وضبابيته من التساؤل عن موعد استعادة سوريا لمقعدها، كما لم يخلُ في الوقت نفسه من إجابة واحدة هي أن الوقت لم يحن بعد بحكم التعقيدات التي تمر بها الأزمة السورية. ولا شك أن طرح السؤال بشكل شبه متكرر مع كل مناسبة لاجتماع عربي سواء على مستوى وزراء الخارجية أو القمة العربية، والتهرب من الإجابة عليه بشكل صريح وقاطع يعكس الارتباك الذي أصاب أداء العمل العربي المشترك منذ وقوع ما يسمى بثورات الربيع العربي نتيجة غياب الرؤية بخصوص التعامل مع المستجدات التي جاءت بها رياح التغيير التي ضربت أكثر من بلد عربي منذ2011 وحتى الآن. فقد تضاربت المصالح الخاصة مع الصالح العربي العام، وتم استخدام ميثاق الجامعة بمعايير مزدوجة، وتسليم الملفات الساخنة العربية للإرادة الدولية بدلا من العمل العربي المشترك. ولأن الأزمة السورية كانت ولا تزال من أبرز الملفات الدالة على هذا الارتباك، فقد ظل السؤال عن أسباب وجدوى الغياب السوري عن الجامعة، وكذلك عن تداعياته، سؤالا ملحا في الأذهان، ليس فقط على المستوى الرسمي بل أيضا على مستوى رجل الشارع العربي. وبحكم طبائع الأمور فإنه عندما يكون هناك إلحاح في طرح تساؤل ما في قضية ساخنة سياسيا، فإن هذا يعني وجود مؤيد ومعارض لما اتخذ بشأنها من قرارات، أو أن هناك من يراها قرارات صحيحة وهناك من يراها خاطئة، خاصة عندما تقع تطورات جديدة مختلفة عن تلك التي كانت سببا مباشرا وقويا في اتخاذها، وعندما يطول الزمن دون حدوث تفاعل لتغيير مسار القضية، أي تعليق العضوية في الجامعة العربية.
ما بين2011 و2020 جرت مياه كثيرة تحت الجسر، بما يعنى أن العوامل الحاكمة في قرار كهذا لم تعد قائمة أو على الأقل لم تعد تحظى بمصداقية في التناول، بل على العكس استجد من الأمور ما يفرض على الجامعة أن تعيد النظر في موقفها على الأقل لتهيئة الأجواء لاستعادة سوريا لمقعدها. ففي البداية كانت هناك أجواء عامة في المنطقة تدفع باتخاذ موقف صارم مع الحكومة أو النظام السوري، حيث كان زلزال التغيير قويا والمراهنة على نجاحه عالية جدا والضغط الخارجي الغربي لفرضه يصعب تجاوزه. واضطرت الجامعة العربية على مستوى وزراء خارجيتها أن تبادر لوقف العنف وإقناع النظام بالاستجابة للمطالب الشعبية من خلال الحوار مع معارضيه.
وفي خلفية الأحداث تجربة مريرة بعض الشيء، تتلخص في أن القادة العرب في قمة عقدت بالرياض قبل 2011 لم يتقبلوا خطابا للرئيس بشار الأسد اعتبروه بمثابة إهانة لهم، ولا شك أن هذا الخطاب ألقى بظلاله على موقف الوزراء العرب عندما اجتمعوا في 12 نوفمبر وقرروا تعليق أو تجميد العضوية. ولذلك لم يكن مفاجئا أن وافقت على القرار 18 دولة واعترضت فقط ثلاث دول. ومع ذلك لم يخلُ القرار وقتها من التعرض للنقد من حيث مدى اتساقه مع ميثاق الجامعة.
فالمعروف أن الميثاق يؤكد على ضرورة عدم تدخل الدول الأعضاء في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، كما أن مسألة الفصل من العضوية أو تعليقها تتطلب الإجماع. وما حدث هو العكس، فما كان يجري في سوريا هو شأن داخلي بالتأكيد، ولم تتحقق قاعدة الإجماع. إلا أن قراءة وزراء الخارجية للمشهد آنذاك كانت مختلفة، فقد اعتبرت الأحداث السورية ليست تهديدا لأمن وسلامة الشعب السوري، بل أيضا لشعوب المنطقة ككل، حيث عدم التصدي له في مثل ظروف رياح التغيير يمكن أن يفجر ردود فعل شعبية غاضبة مماثلة في بلدان عربية أخرى، كما أن قاعدة الإجماع تم التخلي عنها بالتطور ليتحول نصاب التصويت إلى التوافق وكانت الأغلبية متوافقة على القرار. ومع كل ذلك كان القرار ذو طبيعة سياسية بالدرجة الأولى وليس خاضعا لمشروعية الالتزام بقواعد الميثاق، فالحدث كبير وجلل وجديد تماما على نظم المنطقة، والتأثير الأقوى فيه من حيث العوامل الحاكمة ينطلق أساسا من وجود موقف دولي ضاغط جدا لتحقيقه ومن ثم لا حيلة للجامعة للسكوت على الموقف السوري الرافض للحوار مع المعارضة.
ولكن في مشهد آخر خالفت الجامعة موقفها السابق من مسألة تعليق العضوية لسوريا، وذلك عندما أبقت عليها لليبيا برغم ما في الحالتين من تشابه في الظروف. فليس سرا أيضا أن الجامعة أعطت الضوء الأخضر للناتو بالتدخل المسلح لإسقاط نظام القذافي، أي أنها سمحت لنفسها بإتاحة التدخل في شأن داخلي لدولة عضو في مخالفة للميثاق، بل ضاعفت الخطأ بدعوة قوة عسكرية خارجية للتدخل في تغيير وضع داخلي لأحد الأعضاء. ومرة أخرى رأى وزراء الخارجية العرب أن تدهور الوضع في ليبيا يهدد بقية الدول العربية مما يعد مبررا للتدخل. ولكن على خلاف الحالة السورية لم تسقط الجامعة عضوية ليبيا، بل منحت تمثيل البلاد للسلطة الثورية الجديدة برغم أنها لم تكن بعد قد حصلت على اعتراف الأمم المتحدة كسلطة شرعية، واستمر الوضع مع الاعتراف بحكومة الوفاق. هناك تم تعليق العضوية، وهنا تم البقاء عليها!، مما يعني أن متطلبات الموقف السياسي غالبا ما تتجاوز التمسك بالأعراف والقواعد المنصوص عليها في المواثيق.
إضافة لما سبق ودعما للتحليل بأن العوامل الحاكمة في مسألة تعليق عضوية سوريا لم تعد كما كانت وقت التعليق في2011، لابد الأخذ في الاعتبار أن مسار الأزمة السورية مضى في سياق مختلف عما كان يرمي إليه قرار التعليق. فقد اتخذ طابع الاعتراف بشرعية النظام السوري لا بعدم الاعتراف مثلما استند قرار التعليق. فقد كان من المتصور قبل 9 سنوات أن أيام النظام معدودة، ولكن ما حدث هو العكس، استمر النظام وفرض قواعده لحل الأزمة. توالت الجهود الدولية للبحث عن حل سلمي بمشاركة النظام نفسه بجانب المعارضة. وخلال جولات عديدة من المفاوضات وعبر عدة مسارات استطاع النظام أن يكسب الوقت ويجعل الأطراف الأخرى تتحدث معه على أرضية شروطه. وصحيح أنه خسر أجزاء من أراضيه في الشرق والشمال، ولكنه احتفظ بالقطاع الأكبر. لكن أمورا جوهرية تغيرت وعملت لصالح موقف النظام مما عزز شرعيته.
فمن ناحية أظهرت قوى المعارضة هشاشة شديدة ولم تستطع أن تشكل بذاتها بديلا للنظام، وتحول قطاع كبير منها إلى الأعمال الإرهابية بالانخراط في جماعات متطرفة كداعش وجبهة النصرة. ومن ناحية أخرى فإن مسألة حماية المدنيين التي برر بها وزراء الخارجية قرار تعليق العضوية لم تعد قائمة منذ سنوات. فهؤلاء الذين كان يشار إليهم على أنهم مدنيون يطالبون بحقوق سياسية مشروعة ويعارضون بشكل سلمي، اتضح مع الوقت أنهم فيهم جماعات إرهابية لا تهدد أمن وسلامة الشعب السوري وحده، وإنما بقية شعوب المنطقة.
ومن ناحية ثالثة تتواصل أعمال الجهود الدولية تحت قيادة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا لتفعيل الحل السياسي الذي جاء به قرار مجلس الأمن 2254 (صدر في 18 ديسمبر 2015) الذي يطالب بوقف إطلاق النار من كل الأطراف على الأهداف المدنية باستثناء مجموعات إرهابية كداعش والنصرة، ووضع آلية لمراقبة وقف إطلاق النار. ويربط بشدة بين الالتزام بهذا الطلب والتقدم في الحل السياسي. ويركز على أن المسار يمضى في اتجاه إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة كل السوريين بمن فيهم من في المهجر خلال 18 شهرا من الانتهاء من وضع دستور جديد يقيم حكما ذي مصداقية وغير طائفي، وتجرى الانتخابات وفقا لهذا الدستور.
في إطار هذه الاعتبارات، لا يبدو قرار التعليق مفيدا من حيث افتقاده للأسباب الأولى التي بررت صدوره، ولعدم اتساقه مع الأجواء الجديدة التي غيرت وجهة نظر المجتمع الدولي بالنسبة لشرعية النظام من عدمها. وطالما هناك عملية إصلاح سياسي يجري الإعداد لها تحت إشراف الأمم المتحدة، فإن التراجع عن القرار لا يعني إسقاط حقوق المعارضة، فهي طرف في عملية الإصلاح وبشهادة ومراقبة المجتمع الدولي.
إن استعادة المقعد في ظل هذه الاعتبارات ليست مكافأة للحكومة السورية كما قد يظن البعض، وإنما تفاعل إيجابي مع خبرة الأحداث على مدى 9 سنوات مضت، تفاعل من شأنه التحفيز على إنجاح العملية السياسية، لا على إعاقتها.