في أمريكا – دعوة إلى إنهاء إغلاق المدارس

ديفيد هندرسون ورايان سوليفان –
وول ستريت جورنال –

ترجمة قاسم مكي –

بدأ عشراتُ الملايين من الطلاب العامَ الدراسي عبر الإنترنت (عن بُعد) بالكامل، بما في ذلك في 13 من بين أكبر 15 منطقة تعليمية في الولايات المتحدة. السبب الرئيسي لذلك الخشية على سلامة الطلاب والمعلمين. لكن بيانات حديثة تغير اتجاه الجدل بشأن أمان المدرسة ومعدلات العدوى بكوفيد-19. فهي تدعو بقوة إلى فتح المدارس (من الروضة إلى الصف الثاني عشر). أشارت أدلة سابقة إلى أن المدارس ليست «ناقلة فائقة» للعدوى. وهي أدلة مستقاة من أبحاث جرت في بلدان أخرى (تختلف معدلات الإصابة بها وبيئاتها عن الولايات المتحدة) أو من حالات محددة جدا في أمريكا مثل المعسكرات الصيفية للمنظمة الشبابية (واي إم سي أيه). وفي حين تشير هذه الأبحاث إلى أثر ضئيل لمعدلات العدوى من فتح المدارس، إلا أنه من الممكن أن تقود البيئة الفريدة للمدارس الحكومية في الولايات المتحدة إلى نتائج مختلفة.
أعدت مجموعة من الباحثين بقيادة البروفيسور إيميلي أوستر من جامعة براون قاعدةَ البيانات الأكثر شمولا عن المدارس ومعدلاتِ الإصابة بكوفيد-19 عند الطلاب والمعلمين منذ بداية الجائحة. تظهر بيانات أوستر وزملائها والتي تغطي ما يقرب من 200 ألف تلميذ في 47 ولاية أمريكية من آخر أسبوعين في شهر سبتمبر معدلا يبلغ 0.13% لحالات كوفيد -19 بالنسبة للطلاب و0.23% وسط المعلمين. وهذا رقم مثير ومدهش في انخفاضه. بالمقارنة يبلغ المعدل العام الحالي في الولايات المتحدة 2.6%.
أوضحت أبحاث أخرى أن معدلات الحجز (التنويم) في المستشفى والوفاة بالنسبة للأطفال في سن المدرسة منخفضة جدا أيضا. فمن هم في سن 19 عاما أو أقل يشكلون 1.2 % فقط من حالات التنويم في الولايات المتحدة في أثناء ذروة الجائحة. وتذكر مراكز السيطرة والوقاية من الأمراض أن من بين كل وفيات كوفيد-19 حتى 10 أكتوبر كانت هنالك 74 وفاة فقط بين الأطفال تحت سن 15 عاما. هذا فيما تقدر هذه المراكز وفاة 434 طفلا تحت سن 18 عاما من الإنفلونزا في أثناء موسم الإنفلونزا 2019-2020. ورغما عن ذلك لم نَغلِق المدارس بسبب الإنفلونزا. ماذا بشأن المعلمين؟ لا توجد لدينا حتى الآن معلومات راسخة عن معدلات الوفاة وسط المعلمين الأمريكيين. لكن توضح البيانات الجديدة أن معدلات الإصابة بكوفيد-19 منخفضة بين العاملين في المدارس. وإذ قُلنا ما قلنا فإن فتح المدارس في بلدان أخرى لا يكاد يكون له أثر يذكر على معدلات الوفاة بين المعلمين. فالسويد لم تغلق المدارس أبدا والمعلمون هناك لديهم نفس معدل الوفاة في أثناء هذه الجائحة مقارنة بالفنيين في قطاع تكنولوجيا المعلومات الذين يعملون في الغالب من بيوتهم (عن بُعد). فكُلفة إعادة فتح المدارس منخفضة إذا قسناها بالحالات الإضافية والتنويم في المستشفى والوفيات. هنالك تكاليف باهظة لعدم فتح المدارس. فقد وجد تقرير أعدته شركة مكنزي وشركاه الاستشارية أن وقف الدراسة الحضورية (التعليم داخل أسوار المدرسة) حتى شهر يناير 2021 ستنتج عنه خسارة مبلغ يتراوح بين 61 إلى 82 ألف دولار من إجمالي المكاسب المالية التي يحصل عليها الطالب في الولايات المتحدة من عمله طوال فترة حياته (بعد إكماله التعليم الأولي والثانوي أو 12 سنة دراسية). ووجدت دراسة أخرى أشرف عليها جورج ساكاروبولوس من جامعة جورج تاون أن إغلاق كل المدارس الأمريكية لمدة أربعة أشهر فقط ستترتب عنه خسارة أجور (رواتب) مستقبلية بقيمة 2.5 تريليون دولار. أحد الأسباب التي تجعل علماء الاقتصاد يهتمون بموضوع خسارة المكاسب المالية هي أنهم يزيدون من مخاطر الوفاة. فالدُّخول الأقل تعني أن الناس ليس بمقدورهم شراء سيارات أكثر أمانا والحصول على أطعمة أكثر فائدة للصحة وهذا ما يؤدي حتما إلى تقصير العمر. وحتى إذا بالغت التقارير في حساب حجم الخسائر المالية إلا أنها على أية حال خسائر كبيرة وبالتأكيد ستقود إلى نتائج صحية مأساوية في المستقبل. إلى ذلك، تشير مسوحات الصحة العقلية إلى أن عزل الأطفال الصغار عن بعضهم البعض لشهور تترتب عنه عواقب نفسية مدمرة. يتبع علماء الاقتصاد طرقا محددة لتقييم المقايضة بين الحفاظ على الحياة والنشاط الاقتصادي في «إطار التكلفة والمنافع». الطريقة المنهجية القياسية لذلك تتمثل في وضع قيمة لعدد الأرواح التي يمكن إنقاذها. والعدد المعقول هو 4.5 مليون دولار للنفس الواحدة. هذا العدد يرتكز على حجم المبلغ الذي يلزم دفعه للناس في سوق العمل كي يخاطروا بحياتهم ( يقومون بأعمال وظيفية خطرة قد تعرضهم للموت ). ولذلك فهو تقدير جيد للقيمة النقدية لأرواح الأمريكيين التي فُقِدَت في جائحة كوفيد-19. ثم يقارن العلماء تلك القيمة بالخسارة في الناتج المحلي الإجمالي. كم نفس سيلزم إنقاذها مقابل خسارة حتى تريليون دولار واحد فقط في المستقبل من الناتج الإجمالي؟
المنطق الاقتصادي النموذجي يشير إلى أن العدد سيكون حوالى 222 ألف نفس (شخص). وبالنظر إلى المعدلات المتدنية لإصابات ووفيات كوفيد- 10 وسط الصغار والمعلمين من المؤكد تقريبا أن العدد الفعلي للنفوس التي ينقذها إبقاء المدارس مغلقة أقل. إلى ذلك، استمرار إغلاق المدارس له أثر فوري على عائلات طبقة العاملين. فكما تشرح بالتفصيل دراسة من جامعة شيكاجو، يواجه حوالى 50 مليون أمريكي مسائل تتعلق برعاية الأطفال الآن. وعدم وجود تعليم حضوري (دوام مدرسي للطلاب) يزيد الطين بلة. وهذه المشكلة أشد وطأة لأسر الأقليات أو تلك التي يعولها والد وحيد (أو والدة وحيدة) أو ذات الدخل المنخفض. إغلاق المدارس أيضا يزيد من اللامساواة بين الجنسين. فالنساء يتسرَّبن من قوة العمل (يتخلَّين عن العمل) بأعداد صادمة. في سبتمبر كان عدد من يعملن أقل بحوالي 865000 امرأة فوق سن التاسعة عشرة من إجمالي عددهن في أغسطس. بالمقارنة، ترك 216 ألف رجل فوق سن التاسعة عشره العمل خلال الفترة نفسها. جزء كبير من ذلك وربما معظمه يعود إلى انعدام التعليم الحضوري (في المدرسة). حتى الآباء الذين يبقون في قوة العمل، يدفع العديدين منهم عدمُ فتح المدارس إلى تغيير أولويات العمل أو تقليص إجمالي الساعات التي ينفقونها في عملهم، كما أوضحت ذلك دراسة من معهد «آي زد أيه» لاقتصاديات العمل. خسائر إبقاء الأبناء بعيدا عن المدارس ضخمة والفوائد قليلة. لذلك دعونا نعيد الأطفال إلى حجرات الدَّرس وساحات اللَّعِب.

■ الكاتبان هندِرسون زميل أبحاث في معهد هانوفر بجامعة ستافورد وسوليفان أستاذ مساعد للاقتصاد بمعهد البحرية للدراسات العليا في مونتيرَي بكاليفورنيا