نوافذ: تجانس وتنوع

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

يبدو أن المسألة الثقافية؛ مسألة شديدة التعقيد، وشديدة الخطورة، وقد ينظر إليها بشيء من التبسيط، وبشيء من عدم الاهتمام؛ كذلك، مع أنها مسألة مهمة بصورة لا يجب غض الطرف عنها، خاصة وأنها تتموضع في تشابكات العلاقات القائمة بين البشر جميعهم، فجميعنا يتعامل مع الآخر من وحي ثقافته (تنوع) ويتفاعل معها من دمج الثقافتين (تجانس) ويحدث هذا في كل العلاقات القائمة بين الناس، وإن كانت العلاقات الرسمية تقنن بكثير من الاتفاقات غير الخاضعة لمثل هذه الثقافة التي نتحدث عنها، ونصوص هذه الاتفاقات؛ كما هو معروف؛ خاضعة لكثير من مصالح جميع الأطراف، وبالتالي فهي لا تخضع بصورة مباشرة للمسألة الثقافية، أما في خارج هذه الدائرة الـ “مصلحية” فالمسألة لن تخرج عن المسألة الثقافية في تنوعها تجانسها.
هل القيم الإنسانية المختلفة ثقافة؟ وهل تمر بقالب الـ “صهر” المكون من التجانس والتنوع؟ يمكن الجزم هنا بصحة هذه الآلية، فالقيم الإنسانية؛ سيئها وحسنها؛ هي متوارثة، وفي كل عصر وجيل، تعمل الثقافة على تشذيبها، وتنظيمها، لتتفق مع التنوع بين مختلف الثقافات، ولذلك تسجل للإنسان على وجه الخصوص “صناعة الفارق” في هذه المسألة بالذات، وإلا لما وجدت هذه العلاقات الشاملة بين البشر، على اتساع أفق الرؤية بين شعوب العالم، فأنت كشخص ليست عندك مشكلة أن تيمم وجهتك نحو الشرق أو الغرب لتقرأ السلام على أي فرد عبر هذا الأفق المتناهي، فلن يضارك أحد أبدا، إن ألقيت لأحد ما التحية التي يعرفها، فلن يقابلك بهجمة مرتدة قاسية، يقينا؛ سيبادلك السلام، ويشعرك بالأمان، إلا إذا كان هذا الفرد معتوها، فهذه مسألة أخرى، وليست مقياسا في العلاقات بين الشعوب، ربما قد ينظر إليك أحدهما بنظرة خاطفة، ولكن لن تتجاوز هذه النظرة أكثر من لمحة خاطفة يستخلص فيها أنك لست من بلده، فقط، ولا أكثر من ذلك، خاصة إذا تقاربت معه بلباسه، وبلغته، وبهيئته، ولذلك يجوب؛ أغلبنا؛ دول العالم وهو كثير الاطمئنان، وكثير الرضا، وكثير المحبة.
هناك كما هنا؛ عندما يسألك أحد الزائرين لبلدك عن مكان ما، يندر أن لا تدله، وقد تصطحبه بسيارتك حتى تتأكد من وصوله إلى مبتغاه، مع أنه لا علاقة سابقة تربطك به، حتى تحملك مغبة العتاب إن تركته على حاله، فهذا التجانس الحاصل بين بني البشر، هو خارج عن حسابات النظم السياسية، ولذلك قد يحصل أن يتصادم طرفان على طاولة الاجتماع لتصادم المصالح؛ حسب جدول الأعمال المطروح، وقد لا يتفقان على كثير من البنود، ولكن بمجرد أن خرج الجميع من قاعة الاجتماعات، فإذا هناك مساحات الود تتعاظم بين الطرفين، وكأن ذلك الصدام، وذلك الاختلاف طويت تجاذبات المصالح فيه مع الأوراق؛ حيث تضمها الحقائب إلى أجل مسمى.
(تجانس وتنوع) خاصية بشرية بامتياز، من خلالها نختلف على أشياء كثيرة، ونتفق على أشياء كثيرة، وكثير من هذه الـ “كثيرة” هو خارج عن سياقات الربح والخسارة، حيث تلعب المادة الإنسانية فيها بورقتها الرابحة، ولذلك يعفو أحدنا ويغفر في مواقف الزلات؛ وما أكثرها؛ وهذه الـ “ثيمة” بحقيقتها وشموليتها، ليست نصوص مقدسة ملزمة، وإن حثت عليها النصوص المقدسة، وإنما خاضعة؛ وبصورة كبيرة للمسألة الثقافية، وهي الخاضعة كثيرا للتجربة والقياس، ولأنها كذلك تجدها عند كل الشعوب، وفي كل الأمكنة، ومن يخرج عنها؛ لا شك؛ أنه يعاني من خلل سلوكي ما؛ وهو خارج عن الفطرة.
وتعقد الـ “مسألة الثقافية” هي خاضعة؛ بلا شك؛ لكثير من المكتسب الإنساني المعمر، فسنوات العمر لها تأثيرٌ مباشرٌ على كثير من سلوكياتنا، سلبا وإيجابا، فالمواقف الصادمة، مؤذية لصعوبة تجاوزها مع مرور السنين، وتعمق التجربة، ولكن حسنتها أن تبقى في الدائرة الخاصة للفرد، أما في محيط المجموع فسيظل التجانس والتنوع هما الوسيلة للسيادة الإنسانية.