وادي عربوت بصلالة.. مرعى خصيب للإبل وبيئة آمنة للنمر العربي

صلالة – أحمد بن عامر المعشني
في رحلة استغرقت سبع ساعات، الى وادي عربوت بنيابة قيرون حيرتي في ولاية صلالة، حيث بدأت من قمة منطقة “عرم” المطلة على وادي عربوت من الجهة الشرقية، وفيها أوقفنا مركبتنا، وشرعنا بالترجل أنا ومرافقي عامر عزيبون تبوك، وأخوه علي بين أفياء المكان، حاملين على ظهورنا مؤونة من لحم وماء، واحتياجات أخرى تسهل علينا الرحلة، كانت الساعة تشير إلى منتصف الظهيرة، وسلكنا الوادي عبر طريق تم تمهيده منذ عدة سنوات، لسير المواشي وحركة الناس، بعد أن غيَّر المنخفض المداري الأخير، الذي هطل في شهر مايو الماضي، من معالم الطريق، فأعادها إلى مسلك وعر يصعب السير فيه، ويتطلب من السالك أخذ الحيطة، واتباع الحذر أثناء المشي، ولما أن وصلنا تكشفت لنا محمية فريدة، ممرعة بالرياض الغناء، ومفروشة بالمروج الخضراء، تمتد إلى عشرة كيلومترات وبعرض يزيد على كيلومتر.
اطلالة من احد الكهوف
خصوصية الوادي الخصيب
ويعد وادي عربوت من المواقع الطبيعية البكر على مستوى أودية محافظة ظفار، لعدم وصول المركبات إليه، مما أعطاه خصوصية حافظت عليه من العبث، وأبقت على مقوماته الطبيعية التي تتمثل في كثافة الأشجار النادرة في هذا المكان، فهو غابة كثيفة ومزرعة فسيحة، وعلى امتداد البصر يكسو هضباته بساط عشبي أخضر، وتلون جنباته تكوينات جغرافية، وصخور عملاقة أشبه بالمنحوتات، ترسم للناظر لوحات فنية، نحتتها عوامل التعرية، وشكلت نتوءاتها الصَّخرية، وكأنها منمنمات رقيقة ورائعة. وفي مرتفعات الوادي وأعماقها السحيقة، تظهر أحياناً أنواع مختلفة من الحيوانات البرية، مثل النمر العربي وحيوان الوبر (ثفن)، وطيور وفراشات ملونة، فنحن الآن في حمى محمية طبيعية، تنظر إلينا هذه الكائنات الجميلة باستغراب واندهاش، ثم تتوارى عنا بين الصخور، كأطياف ما تلبث أن تختفي، وتظفي الأشجار المزهرة تناسقاً بديعاً بألوان قزحية، تشكِّل بتكاملها صورة طبيعية، أبدعها الخالق في هذا الموقع البكر الفريد.
لوحات صخرية وخلايا نحل
والزائر لهذا الوادي يجد فيه مواقع جميلة مثيرة للإعجاب. ويعتبره جامعو العسل في ولاية صلالة من الأودية التي يكثر فيها العسل، نظرًا للتكوينات الصَّخرية الكثيرة التي يتخذ منها النحل بيوتاً، كما يتمتع الوادي بالكهوف الجبلية، التي استخدمها الأهالي سابقاً أماكن آمنة لهم ولحيواناتهم، من ضربات الأعاصير في حالة الأنواء المناخية، التي تتعرض لها محافظة ظفار في مواسم تبشر بالخير والخصب. أخذنا خطواتنا تزحف باتجاه موقع للإبل، فسمعنا من بعيد حنين النوق، وقد كانت صغارها تسرح داخل الأشجار الكثيفة، كان حنينها يدوي بين جنبات الوادي، ويتردد موسيقى صداه بأنغام شجية، تشعرك بروح الحنان والمحبة، تنبعث من أفئدة هذه الحيوانات الأليفة، والتقينا بالأخوة أصحاب الأبل، يستظلون تحت أشجار “السقوت” وارفة الظلال، بأوراق كثيفة وداكنة الاخضرار.
موسم اغليل الأخضر
الامطار التي تهطل في أواخر شهر مايو وتسبق موسم الخريف ، تعرف لدى الأهالي بموسم “اغليل”، هو أفضل من موسم الخريف، حيت تكون الأشجار والعشب في نمو يتزايد بكثافة، وقد شاهدنا عودة الحياة إلى الاشجار التي كانت شبه ميته، وخاصة شجرة “السقوت” و”الخفات”، وغيرها.
ومع الأصدقاء من بيت عزيبون تبوك، تفيأنا ظلال الأشجار، وتناولنا وجبة الغداء، يفوح منها رائحة شهية للحم الإبل الطازج، مع عسل النحل الذي تم جنيه من الخلايا، الساكنة أغصان الاشجار، مع احتساء فناجين الشاي، الذي تم طبخه من زهور شجرة “السقوت”، وتسمى محلياً “بييت”، وبالفعل كان له مذاق طيب ونكهة آسرة، برغم أنني لم أشربه من قبل، ولا أعرف أن من هذه الزهور يصنع مشروباً لذيذاً من الشاي. فكانت التجربة بالنسبة لي جديدة.
ومع اقتراب المساء وانكسار ظل الجبل إلى أنحاء الوادي، قام أصحاب الإبل بحلب النوق، وكان الادرار غزيراً وطعمه لذيذاً، لأن النوق تتغذى من أوراق أشجار “السقوت” وزهور “الخفات”، وغيرها من النباتات الاخرى. وعند نزولنا الوادي، لاحظنا العديد من الحمايات الجدرانية، عملت من الأحجار، على حواف الأمكنة الخطيرة، لتقي الحيوانات من الانزلاق، بالإضافة الى إغلاق بعض الطرق الوعرة، لمنع عبور الإبل إليها. من أكثر الأودية اتساعاً وقد أجرت عمان حديثاً مع سالم بن سعيد عزيبون تبوك، وهو من سكان الوادي حيث قال: إن “وادي عربوت” يعتبر من أكثر الأودية اتساعاً، ويتميز بكثافة الأشجار وخصوبة الأرض، ولا تصل اليه السيارات، ونحن حريصون على عدم المساس بطبيعته، التي تعتبر مرعى وفيراً للإبل، خاصة في موسم “خطيل الابل”، الذي يستمر ثلاثة أشهر، تسرح فيه الإبل، ويتم مرافقتها عبر مجموعة من الرعاة، وتنتقل في هذا الوادي الخصيب من مكان الى آخر، ويسود فيه جو المتعة والترحال، وهو أشبه بالرِّحلات السياحية الخلوية داخل الطبيعة الخضراء، حاملين على ظهورهم مستلزماتهم الضرورية، تاركين صخب الحياة اليومية الاعتيادية، الى نوع آخر من الحياة الهادئة في أحضان الطبيعة، بمنظر بديع وصور جمالية.
تجبير الأغصان المنكسرة
وقال أيضاً: إن آباءهم وأجدادهم عاشوا في الوادي، وكانوا يمنعون قطع أي غصن من هذه الأشجار. ولقد أخبرني والدي رحمه الله، أن الآباء السابقين كانوا إذا وجدوا غصناً منكسراً يقومون بتجبيره، من خلال استخراج مادة سائلة من شجرة التين البرِّي “الطيق”، مع وضع دعامة مساندة له، ونحن بإذن الله ماضون على هذا النهج، في الحفاظ على طبيعة وخصوصية الوادي، رغم مشقتنا الكبيرة في حمل احتياجاتنا على ظهورنا، وقد نضطر إلى نقل ناقة تصاب بمرض في هذا الوادي، فنحملها على أكتافنا، من خلال نعش نصنعه من أغصان الأشجار، وهذا جهد كبير يتطلب مجموعة من الأشخاص الأقوياء، يتناوبون على حملها، الى أن يصلوا بها الى قمة الوادي، متكبدين وعورة الطريق، وتعانق أغصان الأشجار بكثافة. وتصل هذه المسافة الى ثلاثة كيلومترات.
موطن للنمر العربي
وسألت سالم عزيبون: هل في هذا الوادي أي وجود للنمر العربي؟، فقال: نعم، خلال هذا الاسبوع رأينا النمر العربي مرتين، الأولى كانت في الساعة الثالثة فجراً، والثانية كانت مع صلاة العشاء، والحمد لله لم يهاجمنا، ونحن حريصون على عدم المساس بهذه الحيوانات البرية، وخاصة النمور وحيوان الوبر، الذي يسمى محليا (ثفن)، وكذلك الطيور الجبلية بكل أنواعها. وأخيراً انتهت الرحلة داخل أفياء وادي عربوت الظليلة، بصحبة مجموعة من شباب بيت عزيبون، وكانت بالنسبة لي رحلة ماتعة، تكللت بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وعدنا في البال صور من تلك المشاهد الجميلة التي عانقناها، وفي القلب نشوة من موسيقى حنين الأبل، وفي النفس انشراح من تلك النسمات الباردة، المشبعة بعطر الأشجار.