الدكتور حسن مدن يقارب بين الأدبين العربي والروسي.. مؤكدًا: (تأثر كلٌ منهما بالآخر)

حسن مدن: أحمد الرحبي المترجم الخليجي الأول من الروسية إلى العربية.. وهذا أمر نفخر به
متابعة – عامر بن عبدالله الأنصاري
أقامت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مساء امس الأربعاء أمسيتها الدورية “صالون الأربعاء”، بعنوان “روسيا.. وجهة أخرى”، وذلك بتنظيم لجنة الدراسات والفكر بالجمعية، واستضاف “الصالون” الكاتب والأديب البحريني الدكتور حسن مدن.
أدارت الأمسية الروائية الدكتورة منى السليمية، وابتدأت الأمسية معرفة بالدكتور حسن مدن: فهو باحث وكاتب بحريني وواحد من أهم الوجوه الأدبية الخليجية، ولم يغب قلمه عن الكتابة منذ 35 عاما، من مؤلفاته “الثقافة بالخليج”، و”لا قمر في بغداد”، و”الكتابة بحبر أسود” و”تنور الكتابة” والعديد من الإصدارات، إضافة إلى مئات المقالات المنشورة في الصحف العربية. بدأ الدكتور حسن حديثه عن الأهمية الثقافية للأدب الروسي، واصفًا الثقافة الروسية بأنها تقع على تخوم حضارتين أو جغرافيتين، هي تجمع بين حضارة غربية من جهة، وحضارة شرقية من جهة أخرى، الأمر الذي جعلها قريبة من ثقافتنا العربية. مشيرا إلى أن هناك فترة تمت خلالها شيطنة الأدب الروسي في أذهان المتلقي، خاصة لدى الأجيال الماضية، خلال الحرب البادرة، على اعتبار أن الأدب الروسي صادر عن الاتحاد السوفييتي، هذا الاتحاد الذي كان بمثابة “بعبع”، وهذا أدى خلال تلك الفترة إلى ظلم الأدب الروسي، لأن ما كان يُصدر حينها ليس فقط الكتب السياسية والأيديولوجية، وهذا تفعله كل الحكومات بلا استثناء، بل إلى جانب ذلك كانت تُصدر كتب في الأدب الكلاسيكي الروسي، وهو أدب مهم وإنساني ورحب وعميق، والحقبة السوفياتية لم تتجاوز 70 عاما، بينما عمر الثقافة الروسية تمتد قرونا طويلة، وعمالقة الأدب الروسي عاشوا قبل الحقبة السوفييتية أمثال “دوستويفسكي” و “تولستوي” و”بوشكن” وغيرهم الذين أصبحت مؤلفاتهم متاحة باللغة العربية عبر الترجمة.
مشيرا إلى أن روسيا تولد العديد من الأدباء في كل العصور حتى في العصر السوفييتي وما بعده، ومن أشهر أدباء روسيا خلال الفترة السوفييتية “باسترناك” الروائي الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، و”جنكيز إيتماتوف”، و”رسول حمزاتوف”، وغيرهم من الأدباء الذين أثروا بتجاربهم الأدبية حتى الوطن العربي من خلال الترجمات. مؤكدًا أن على الوسط الثقافي العربي أن ينتبه على وجهة الأدب الروسي، حيث إننا بحاجة إلى التعرف عليها، ومشيدًا باختيار الجمعية العمانية للكتاب والأدباء لهذا الموضوع.
التأثر بالشرق الإسلامي
ومما تناوله الدكتور حسن مدن تأثر الأدب الروسي بالثقافة الشرقية العربية، ضاربًا بذلك عددًا من الأمثلة منها تجربة الروائي الشهير “تولستوي” صاحب روايات “الحرب والسلم” و”انا كرنينا” وغيرها من الروايات المهمة التي أصبحت متيسرة باللغة العربية، حيث توثق مراسلات “تولستوي” أن من بينها مراسلة للإمام “محمد عبده” الرائد التنويري والمصلح العربي والإسلامي الكبير، وكان الأمام محمد عبده قد اطلع على بعض كتابات “تولستوي” ووجد فيها موقفًا إيجابيًا من الإسلام، فكتب إليه مبديًا إعجابه، ورد عليه “تولستوي” برسالة قال فيها: “تلقيت خطابك الكريم الذي يفيض بالثناء عليَّ، وأنا أبادر بالجواب عليه مؤكدًا لك ما أدخله على نفسي من عظيم السرور حين جعلني على تواصل مع رجلٍ مستنير، وإن يكن على ملة من غير الملة التي وُلِدتُ فيها وربيت في أحضانها، فإن ديني ودينه سواء، لأن المعتقدات مختلفة وهي كثيرة ولست مخطئًا إذا افترضت استنادًا إلى ما ورد في خطابك أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، وأود أن تصدر عنه جميع المبادئ الصحيحة وهي واحدة عند الجميع”.
وأشار الدكتور حسن مدن، أن رسالة “تولستوي” لا تعني أنه دخل الإسلام، ولكنه أشاد بقيم ومبادئ الدين الإسلامي، ودلَّ على اطلاعه على الأدب العربي والإسلامي وإيمانه بما فيه من مبادئ وقيم، وأكد “تولستوي” على أن جميع الأديان ذات قيم ومبادئ، كما أكد على القيمة النبيلة للتسامح بين الديانات، وهذا أمر مهم خاصة في ظل ما تشهده بعض الدول اليوم من تعصبات وإساءات، مشيرًا إلى ما حدث في فرنسا، كما أشار الدكتور إلى وجود مراسلة بين “تولستوي” وامرأة من بلاد الشام.
ومما قاله الدكتور حسن مدن بهذا الخصوص: “الأدباء الروس تأثروا كثيرا بالثقافة العربية، خاصة وأنه تمت ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الروسية في عهد مبكر، ربما في القرن السابع عشر، كما ترجمت إلى الروسية حكايات ألف ليلة وليلة، وهذه الأعمال انعكست فيما بعد على بعض النصوص الكلاسيكية الروسية، على سبيل المثال هناك نصوص، مجموعة قصائد للشاعر الروسي (بوشكن) باسم من (وحي القرآن)، تعكس تأثره بما قرأه من هذا الكتاب المقدس، وذلك موجود عند (تولستوي) كذلك”.
وعرج الدكتور حسن إلى كتاب مهم للكاتبة الدكتورة “مكارم الغمري” بعنوان “مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي”، حيث تطرقت الباحثة إلى أن “بوشكن” كان منفيًا، وتعرف على بحار مصري اسمه “علي” ونشأت بينهما صداقة، وأنتج ذلك نصا لبوشكن بعنوان “من وحي العربي”، ويُرجح إلى أن هذا النص مستوحى أو مهدى من بوشكن إلى هذا البحار المصري، وجاء في النص، الذي قرأه الدكتور حسن مدن: “فتى جذاب، فتى دمث، لا تخجل مني فنحن أهل، وبداخلنا لهب عاصف، ونعيش حياة واحدة، لقد تآلفنا معا، تماما مثل جوزة مزدوجة أسفل قشرة واحدة”. وكما أشار الدكتور حسن إلى أن الباحثين والمهتمين بالأدب الروسي لاحظوا تأثر “بوشكن” بحكايات ألف ليلة وليلة في قصائده. ومما أشار إليه أن الأدب الروسي حديثًا مهتم بالأدب العربي، وهناك مراكز لدراسة الأدب العربي في مختلف صنوف الأدب، وهذا الاهتمام ليس فقط الآن، بل قبل ذلك منذ القرن السابع عشر والثامن عشر.
التأثر بالأدب الروسي
أوضح الدكتور حسن مدن أنه بالمقابل تَأَثُر الأدب العربي بالأدب الروسي ليس جديدًا كذلك، حيث ضرب الدكتور حسن مثالًا على ذلك بالأديب اللبناني الكبير ميخائيل نعمية، حيث عُرِف ميخيائيل بأنه من أدباء المهجر، ولم ينتبه الكثير إلى حقيقة أن ميخائيل عاش 6 سنوات في روسيا وتأثر بالأدب الروسي، وكثير من كتاباته تدلل على حبه لروسيا، كما أنها تسجل اعترافات بأن الأدب الروسي وحياته في روسيا السبب الحقيقي في تكوينه الأدبي
وذكر الدكتور حسن أنه في أحد اللقاءات الأدبية الروسية العربية التي أقيمت في لبنان في سبعينيات القرن الماضي، تحدث ميخائيل نعيمة باللغة الروسية، حتى قيل إن ميخيائيل يتحدث بلغةٍ “بوشكينية”، في إشارة إلى الأديب الروسي “بوشكين”، وذلك من شدة تمكن ميخائيل من اللغة الروسية وحسن بديعها وبيانها. كما أن العرب المسيحيين أغلبهم من الأرثوذوكس، والكنيسة الأرثوذوكسية تقع في روسيا، وهذا يبرر تأثر شريحة من العرب بروسيا وارتباطهم بها وبأدبها، حيث سجل التاريخ وجود بعثات علمية إلى روسيا تكفلت بها الكنيسة. وأكد الدكتور حسن مدن إلى أن هناك شريحة كبيرة من الأدباء العرب تأثروا بالأدب الروسي، مؤكدا أن الأمر يحتاج إلى كثيرِ بحثٍ ودراسةٍ وتدقيقٍ، وقد ضرب على هذا التأثر مثالا بشخصية “إيفان” في رواية “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، وهي شخصية روسية، ويمكن اعتبار ذلك المقاربة العربية الأولى للآخر الروسي، مشيرا إلى أن هناك تجليات أخرى منها حضور الفضاء الروسي في رواية “جليد” لصنع الله إبراهيم، وفي رواية مهمة للكاتبة الأردنية ضحى الزعبي بعنوان “ليلى والثلج ولودميلا” وتجري أحداثها في فترة تحول الاتحاد السوفييتي إلى ما بعد الحقبة السوفييتية.
تجربة عمانية
وقال دكتور حسن: “من الأشياء التي نعتز بها نحن في منطقة الخليج، أن الآخر الروسي حضر في عمان، من خلال نموذجين، الأول رواية بدرية الشحية (فيزياء 1)، ولكن العمل الأكثر تميزًا (أنا والجدة نينا) لأحمد الرحبي، والعمل ميزته أن الكاتب يعرف المجتمع الروسي وعاش معه، وأنا كتبت مقالا عن هذه الرواية، فتلك الرواية على مقربة من سايكولوجية الإنسان الروسي وعلى الخصائص الثقافية لهذا المجتمع، واستطاع الكاتب أن يعبر عن هذا المجتمع من داخله وعن الآخر العربي أو الآخر المسلم أو الآخر الآتي من الشرق كيف يكون عندما يصبح على تخوم العلاقة مع الآخر، هي رواية جديرة بالقراءة، وشيء يُحسب إلى عمان”.
الترجمة
وتحدث عن بدايات الترجمات بين العربية والروسية ومدى إسهامها بنقل الثقافة والتجارب التي أغنت كلا الثقافتين فنهلت من بعضها.
مؤكدًا أن أحمد الرحبي أصبح واحدا من المترجمين العرب، واعتبره المترجم الخليجي الأول، من الروسية إلى العربية، قائلا: “هذا أمر يدعو إلى الفخر”. كما تحدث الدكتور حسن مدن عن حركة الترجمة عموما، مشيدا بجيل كشف أن أسماء أدباء عمانيين أسهموا بهذه الحركة. وفي هذا السياق أشار إلى غياب ترجمات الأدب الروسي إلى اللغة العربية في العقدين السابقين، لذلك فالمجتمع العربي أصبح غير مطلع على جديد الأدب الروسي بالشكل الذي كان عليه سابقًا، مشيرًا، وقياسًا على تطور الأدب العالمي، أن الأدب الروسي الحديث من أهم الآداب عالميًا ليس في الوطن العربي فقط. إلى جانب العديد من الموضوعات التي تطرق لها الدكتور حسن مدن، والتي كانت إجابة على مداخلات العديد من المشاركين في البث المباشر للقاء عبر منصة زوم، ونقلت على مختلفة قنوات التواصل الاجتماعي التابعة لجمعية الكتاب والأدباء. جدير بالذكر أن أمسية “صالون الأربعاء” بعنوان “روسيا.. وجهة أخرى” استمرت إلى أكثر من ساعة وربع الساعة، وهي متاحة على منصات التواصل في حسابات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.