جيوبوليتيك السلام السوداني!

محمد جميل أحمد –

ارتباط الحداثة السياسية بخيارات ومصالح الدول يعكس الهوية الموضوعية لفكرة الدولة بعيدًا عن التحيزات التي تعكسها الخيارات الأخرى ما قبل الحديثة، هذا يعني أن قوة المصالح لكل دولة على حدة والتعقيدات التي تكتنف تكييف مصالح تلك الدولة هي تعقيدات ذات طبيعة جيوبوليوتيكية في المقام الأول.
فالمصالح الجيوسياسية للدولة الحديثة لا تتعين بالضرورة وفق خلفيات دينية أو عرقية أو حتى أيدولوجية، بقدر ما تتعين وفق مبادئ الانحياز الموضوعي لتلك المصالح التي لا يملك تعيينها الدقيق إلا النظر في الطبيعة التي ارتبطت بها صيرورة كل دولة على حدة. لهذا فإن قراءة المصالح الجيوسياسية لأي دولة هي جزء من رؤيتها لتلك المصالح وفق موازين القوى الدولية التي تترجح عبرها تلك المصالح بميزان دقيق لا يمكن تأطير تلك المصالح الجيوسياسية إلا وفق إيقاعه المتغير.
لقد كانت إحدى مشكلات الثورة السودانية التي أسقطت نظام البشير بعد ثلاثين عامًا، أنها ورثت تضييعًا وخرابًا عظيمين للمصالح الجيوسياسية للدولة السودانية، بحيث بدت أغلب تلك الخيارات المشروعة في الانتظام السياسي العالمي في أوضاع حرجة وبالغة الخطورة إلى درجة أصبحت معها حياة السودانيين نموذجًا للعزلة الفظيعة والخراب المديد جراء مفاعيل قرار وضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب على مدى أكثر من ربع قرن، كانت الأوضاع خلالها أكثر من كافية لإعادة السودان إلى مراحل متدنية شلت معها وظائف الدولة وتعطلت مشروعاتها القومية وانعكست حتى في تماسك الوحدة السياسية للسودان (انفصال دولة جنوب السودان) إلى جانب الحروب الأهلية التي اشتعلت في أكثر من إقليم، وكان كل ذلك في مجمله انعكاسًا متوحشًا ومدمرًا لممارسات سياسية ومفاهيم معطوبة سواء لفكرة الدولة، أو لفكرة فهم العالم الحديث عبر ما تقتضيه المصالح الجيوسياسية.
اليوم، فيما يبدو شبح الاحتقان الخطير من جراء الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة نتيجة لقرار وضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، مفتوحًا على حرب أهلية أو حرب جياع، بدت كذلك خيارات الحكومة السودانية في المفاوضات التي ظلت تجريها على مدى أكثر من عام مع الولايات المتحدة (الدولة الوحيدة التي تستطيع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب) متزامنةً مع ميزان قوى عتيد للولايات المتحدة، وإدارة جمهورية تمارس التفاوض السياسي بحدود قاسية، إلى جانب توقيت حرج للانتخابات الأمريكية تمت على ضوئه صفقات سياسية عكست ضغوطًا كبيرة للولايات المتحدة من أجل البحث عن مسار جديد للسلام بين الدول العربية وإسرائيل، بعد مساري مصر والأردن.
هنا سيدو واضحًا أن أسباب جيوبوليتيك السلام السوداني مع إسرائيل الذي تم عرضه في صفقة واحدة كثمن وحيد وحصري لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب صفقة يدرك السودانيون جميعهم الأثمان الباهظة التي دفعوها جراء ذلك القرار القاسي بحيث تسممت حياتهم لأكثر من ربع قرن من جراء مفاعيل قرار وضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب فكان لا يمكن للسودان بموجب ذلك القرار، أن يقترض من أي مؤسسة دولية أو دولة أو يتقبل منحًا أو يدمج في الشبكة المصرفية الدولية أو يكون قادرًا على جلب قطع غيار لمدخلات الإنتاج وحتى الأدوية مما تسبب في دمار هائل لمشروعات قومية كبيرة للسودان أصبحت أثرًا بعد عين.
وفي ضوء هذه الشروط الجيوسياسية القاسية التي وجدت الحكومة السودانية نفسها عليها، والخيار المر الذي كان عليها أن تتخذه في عرض الولايات المتحدة، سيبدو لنا جليًا ذلك التعقيد الخطير للحالة الجيوسياسية التي وضعت السودان تحت هذا الشرط القاسي. فكان القبول بخيار السلام هو ثمن الطريق على حرب أهلية داخلية وشاملة من جراء تفاقم الأوضاع المعيشية الطاحنة في السودان.
بطبيعة الحال، ونظرًا للتأطير الذي تم ضمنه إدراج النقاش العمومي حول قضية التطبيع في المنطقة العربية من ناحية، ونظرًا لغياب السودان (بالرغم من وضعه المعيشي الطاحن الذي يوشك على الانهيار) عن دائرة تفكير عرب كثيرين في المنطقة، سيكون السجال عن خطوة السلام الاضطراري للسودان مع إسرائيل، ظاهريًا، متصلًا ومدرجًا في السجالات التي أثارتها معاهدتا السلام اللتان أبرمتهما كل من البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة خلال الشهرين الماضيين.
وهو سجال يمكن في حال فهم خلفيات التعقيد الذي أصبح فيه الوضع الخطير في السودان، أن يفضي إلى تفسير آخر خارج طبيعة السجالات العربية وردود فعلها في قضايا التطبيع.
ونزعم أن التفسير، الذي يشفع لكل من مصر والأردن سلامهما مع إسرائيل في رؤى بعض المحللين الباحثين السياسيين العرب، سيكون في معناه أيضًا ما يشفع للسلام السوداني بالنظر إلى الضغوط والشروط القاسية التي اكتنفت ملابسات هذا الملف مع إدارة ترامب وتوقيت أوضاعها الحرجة في الانتخابات الأمريكية، إلى جانب التحديات الخطيرة لاحتقان الوضع الداخلي المفتوح على احتمال مرجح لحرب أهلية داخلية، في حال عدم اتخاذ هذا القرار من طرف الحكومة الانتقالية، التي فوتت، أيضاً، بذلك القرار، احتمالًا مرجحًا لانقلاب عسكري يقضي على مكاسب الثورة السودانية ويعيد السودان إلى مربع الحكم الشمولي.