بين الفلسفة والفكر والسياسة «2»

عبد الله العليان –

اهتم المفكر علي عزت بيجوفيتش بالقضايا الفكرية والفلسفية، منذ فترة مبكرة من عمره رحمه الله، أو كما ذكر من أن كان في المرحلة الثانوية، مع اهتماماته السياسية بوطنه البوسنة والهرسك، من أجل حريته واستقلاله من الاستبداد، وقصة هذا الاهتمام جرت الكثير التوقيف والاعتقال والكثير من الأذى في حياته الشخصية، لكن قراءاته أثمرت الكبيرة له فكريا، في الفلسفية الغربية على الوجه الأخص، إلى جانب المعرفة بالفكر الإسلامي عموما، وإلى تشكيل وعيه بعمق فيما يدار في هذا العصر من فلسفات وأفكار ونظرات وتغيرات في القرن العشرين، تجاه الإنسان، والحياة برؤية تلامس الواقع وتحدياته.

ومن أهم الكتب التي أصدرها المفكر علي عزت بيجوفيتش، كتابه الشهير: (الإسلام بين الشرق والغرب)، ويعتبر هذا الكتاب بمثابة رؤى فكرية ناقدة للفكر الغربي المعاصر، لكن بمنطق عقلاني ورزين، وأن الهدف منه، كما قال المؤلف في مقدمته: «محاولة ترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها». وعندما أوشك على إنهاء صدور هذا الكتاب، في أوائل الثمانيات من القرن الماضي كما يقول المترجم: تم سجنه لأسباب سياسية ـ أشرنا إليها في المقال السابق ـ فلم يستطع إصداره في ذلك الوقت. ولكن صديقه حسن قرشي، استطاع أن يهّرب مادة الكتاب، من يوغوسلافيا إلى الخارج، وأول هذه الدول التي ذهب إليها حسن قرشي كانت كندا، عام 1983، وترجمه للغة الانجليزية، في الولايات المتحدة سنة 1984، ثم أعيد طباعة الكتاب في أواخر الثمانيات من القرن الماضي. ويعد هذا الكتاب ـ بحسب العديد من المتابعين لفكره، أنه من المؤلفات الفكرية القليلة التي جمعت بين الفلسفة العميقة، وبين الفكر المعاصر، الذي اهتم بالتحولات الفكرية الحديثة، وفي تفسير بالظاهرة الإنسانية بكل تعرجاتها واتجاهاتها المتعددة.
ويرى المترجم للكتاب باللغة العربية، الأستاذ محمد يوسف عدس في تقديمه للكتاب فيقول:»ليس كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب) لعلي عزت، كتابا بسيطا يمكن للقارئ أن يتناوله مسترخيا، أو يقتحمه من أي موضوع فيقرأ صفحة هنا وصفحة هناك ثم يظن أنه قد فهم شيئا. أو أنه قادر على تقييمه أو تصنيفه بين الأنماط الفكرية المختلفة. إنما على القارئ الجاد أن يحتشد له ويتهيأ للدخول في عالم كتاب ثري بأفكاره متميز بمنهجه أخّاذ بأسلوبه وقوة منطقه وثقافة صاحبه العميقة». ومن الباحثين المرموقين، وأصحاب الموسوعات الفكرية العربية، الذين اهتموا بأطروحات الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، الأكاديمي والمفكر د. عبد الوهاب المسيري، الذي قدّم لأحد كتب عنه لهذا الكتاب في الطبعات التالية، وعن فكره في بعض كتبه بصورة متفرقة، ويرى عبد الوهاب المسيري في كتاب (رحاب الإنسانية والإيمان)، إن: «الرئيس علي عزت بيجوفيتش (الرئيس السابق للبوسنة، وقائدها السياسي، وزعيمها الفكري والروحي) صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبيتها. وهذه التركيبية، المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية لنظامه الفلسفي. ولكن قبل أن نحاول أن نصنف إشراقاته وأفكاره المختلفة، وقبل أن نتكشف عالمه الفكري لابد وأن نشير إلى أنه ليس «مجتهدًا» وحسب، وإنما هو «مجاهد» أيضًا، فهو مفكر ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية ويبيَّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفى نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه. ولكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان (الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية) هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج- دور المجاهد والمجتهد، ودور الفارس والراهب».
ويضيف د/ المسيري عن كتابات المفكر علي بيجوفيتنش، وطرحه المتميز للأفكار والفلسفات، يبرز التجربة الفكرية له، عبر عقود -طويلة من القراءات العميقة للفكر الغربي، والتطواف بكل الفلسفات المعاصرة، وقبلها أيضاً في مرحلة مبكرة، ولذلك جاءت كتابات: «بيجوفيتش فريدة، فقد درس العالم الغربي الرأسمالي عن كثب.. وهو قادر على استيعاب كل هذه المعلومات وتصنيفها وتوظيفها لأن لديه إلماما غير معتاد بالفلسفات الغربية، وهو ليس كإلمام أساتذة الفلسفة الذين يعرضون للأفكار الفلسفية المختلفة عرضا محايدًا، بل هو إلمام المتفلسف الحقيقي الذي يقف على أرضية فلسفية راسخة ويطل على الآخر فيدرك جوهر النموذج المعرفي الذي يهيمن عليه. فنراه يتحدث بطلاقة غير معتادة عن نيتشه وياسبرز وكيركجارد، وذلك في سطور قليلة تبين مدى استيعابه لرؤاهم الفلسفية، وكذا مدى وصوله إلى أعماقها وبنيتها المادية العدمية المدمرة، أو بنيتها الإيمانية الكامنة».
لكن المفكر والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، بهذا الاستيعاب الكبير للفكر الغربي ومدارسه المتعددة الإيديولوجيات، أكسبه التعرف على منطلقات هذه الأفكار، ولذلك وجه نقدا دقيقا للكثير من هذه الفلسفات التي غيبت القيم، خاصة مسألة قضية العقل والأخلاق، وقضية الحرية والقيم، فيقول في هذا الكتاب: «مفهوم الحرية الإنسانية لا ينفصل عن فكرة الأخلاق. فبالرغم مما خضعت له هذه الفكرة من تحوّرات، ظلت الحرية هي الثابت عند كل تحّول أو تطور خلال تاريخ علم الأخلاق، فمثل ما للمكان والكم من أهمية في علم الطبيعة، كانت أهمية الحرية بالنسبة لعلم الأخلاق. يدرك العقل المكان والكمّ ولكنه لا يفهم الحرية، وهذا هو الخط الفارق بين العقل والأخلاق». ويضيف علي عزت في فقرة أخرى، قضية بين العقل والأخلاق وكيفية إصدار الأحكام والمنطلقات، فيقول: «إن الأخلاق لا يمكن القول بأنها إنتاج العقل. فالعقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حُكماً قيميّاً عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي. مثلاً، يفهم كل إنسان أن المبدأ الذي يسعى إلى صب أرواح الناس في قوالب متماثلة، لا ينبغي السماح به. ولكن هذا المبدأ لا يمكن تبريره أو البرهنة عليه عقليا». وفي قضية الثقافة والتاريخ، يرى علي بيجوفيتش أنه يختلف مع بعض آراء العقلانيين والماديين، في نظرتهم لمسار التاريخ الحدية، ويرى أن التاريخ لا يسير في خط واحد لا ينحرف عن مساره، خاصة في مجال فالثقافة والقيم، فهذه لا تتطور بتطور مسار التاريخ، ويرى إن: «كل من العقلانيين والماديين يعتقدون أن التاريخ يسير في خط مستقيم، وأن تطور العالم قد بدأ من الصفر. فالتاريخ ـ باستثناء بعض الحركات الالتوائية والانتكاسات المؤقتة ـ يلتزم بحركة متصلة إلى الأمام، ويتبع.. ونستطيع أن نفهم هذا الموقف ـ كما يضيف بيجوفيتش ـ عندما نتذكر أن التاريخ عند الماديين هو التطور المادي للحياة الإنسانية، فهم معنيون بتاريخ الأشياء أو تاريخ المجتمع لا بتاريخ الإنسان نفسه. وليس هذا تاريخ الثقافة الإنسانية وإنما تاريخ الحضارة».
وعن رؤية الإسلام لحركة الإنسان في الحياة، تنطلق من رؤية متوازنة، دون حرق للمراحل، أو التعسف في استعمال الحق، وهذه ما تؤكده الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو في الوقت الذي يحترم نوازع الإنسان ورغبته، لكنه يهذب هذه الرغبة ويجعلها متوازنة، ويرى المفكر علي عزت، أنه: «في الوقت الذي يؤكد فيه الإسلام على عظمة الإنسان وكرامته ويبدي واقعية شديدة، تكاد تلغي البطولة عندما يتعامل مع الإنسان كفرد. فالإسلام لا يتعسف بتنمية خصال لا جذور لها في طبيعة الإنسان. إنه لا يحاول أن يجعل منا ملائكة، لأن هذا مستحيل، بل يميل إلى جعل الإنسان إنسانًا. في الإسلام قدرٌ من الزهد، ولكنه لم يحاول به أن يدمر الحياة أو الصحة أو الفكر أو حب الاجتماع بالآخرين أو الرغبة في السعادة والمتعة. هذا القدر من الزهد أريد به توازنًا في غرائزنا أو توفير نوع من التوازن بين الجسم والروح.. بين الدوافع الحيوانية والدوافع الأخلاقية». ولذلك يعتبر المفكر والفيلسوف، علي عزت بيجوفيتش، من الشخصيات الفكرية المتميزة في العصر الحديث، وإن لم يلق حقه من الاهتمام لأسباب معروفة، لكنه بلا شك ينتمي إلى المفكرين المعاصرين، أصحاب النظرات العميقة للدين والفلسفة والحياة، وعرف الفكر الغربي معرفة عميقة، ولذلك جاءت أطروحاته تتسم بالعمق بلا منازع، وتدل على قوة المعرفة ودقتها واستيعابها.