فريدةٌ بين مُدن الزَّمن العربيّ الحديث

فخري صالح –

«تفّاحةٌ للبحر، نرجسةُ الرّخام،

فراشةٌ حجريّة بيروتُ. شكلُ الروح في المرآة،

وصفُ المرأةِ الأولى، ورائحةُ الغَمَام

بيروتُ من تعبٍ ومن ذهبٍ، وأندلسٍ وشام

فضّةٌ، زَبَدٌ، وصايا الأرضِ في ريش الحمام

وفاةُ سنبلةٍ. تشرُّدُ نجمةٍ بيني وبين حبيبتي بيروتُ»

محمود درويش، قصيدة بيروت، ديوان «حصار لمدائح البحر»

لا تُشبه مدينةٌ عربيّة أخرى بيروتَ، فهي فريدةٌ بين المُدن في زمان العرب الحديث والمُعاصر. منذ أربعينيّات القرن الماضي وهي قبلةُ المُثقّفين والفنّانين، والثوريّين، والحالِمين، والهاربين من القمْع وتكميم الأفواه، الباحثين عن الحريّة بأشكالها كافّة، والطامحين إلى إعادة تشكيل التاريخ وإحداث تغييرٍ جذريّ في السياسة والثقافة والفنّ والفكر والاجتماع في العالَم العربيّ.
لقد كانت بوتقةً لفَوران الأفكار الثوريّة، القوميّة واليساريّة والوطنيّة العربيّة، ومَوئلاً لحريّة الصحافة، وملجأً للمثّقفين العرب الطامحين إلى النجاة بأنفسهم من الدكتاتوريّات التي تحكم بلادهم، ومصهراً للتجارب الثقافيّة والفنيّة العربيّة، وجسراً للتواصل بين الغرب والشرق. كما كانت في الوقت نفسه مطبعةَ العرب، ومُنتدىً لتصادُم الأفكار وعراك الأيديولوجيّات، وصعودها وانهيارها، وتلاقُحها وتهجينها بعضها بعضاً.
هي مدينة الحريّة، والتحرُّر الفكري والثقافي والنسوي، كما أنّها أرض الصراعات وتصفية الحسابات بالأصالة أو بالوكالة. إنّها المدينة التي تتجلّى فيها الطائفيّة والمذهبيّة في أبشع صُورها، وكذلك الرغبة في التخلُّص من تلك الأدواء التي عصفت بها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما زالت تعصف.
هي، إذن، مدينة المُتناقضات، مدينة الأضدادّ والمُختلفات. مدينة المتعة والتحرُّر من القيود، وأسيرة هذه القيود في الآن نفسه. مدينةٌ تتعايش فيها الحريّة والاستبداد، الغنى الفاحش مع الفقر المدقع، ويتجاور فيها الكبت والتحرُّر بأشكالهما وصورهما كافّة.
تعيش بيروت الحرب والسلم في آن، وهي مرشَّحةٌ للانفجار في كلّ لحظة. هكذا عهدناها منذ النصف الثاني من القرن العشرين، على أهبّة الاشتعال في ظلّ كلّ منعطف تاريخي يمرّ به العرب. كأنّها بوتقة اختبار، مكانٌ للتجربة، ومَسرحٌ للصراع بين القوى المحليّة والعربيّة والأجنبيّة، وأرضٌ مهيّأةٌ للاحتراق كلّما تغيَّرت مَوازين القوى. إنّها مدينةٌ صلبةٌ وهشَّةٌ في آن، قادرةٌ على امتصاص الضربات واحتواء الصراعات، وتجاوُز النكبات، لكنّها غير قادرة على حلّ مُشكلاتها والتخلّص من أمراء حروبها الذين يتناسلون منذ قرنَين من الزمان.
بارومتر حالة العرب
بيروت مدينة تعيش مأزقاً متواصلاً، صراعاتٍ مُستمرّة بلا حلول تلوح في الأُفق، وسوف تظلّ كذلك ما دام العالَم العربي نفسه في حالة غليانٍ دائم، وصراعاتٍ مستمرّة، وحروبٍ لا تنتهي، ومآزق تتوالد في كلّ مكان وزمان.
كأنّ قَدَرَ بيروت أن تكون بارومتراً نقيس به حالة العرب المُعاصرين، والغليان الدائم الذي تتّسم به هذه المنطقة المنكوبة من مناطق العالَم.
ومع ذلك، فإنّ الإشعاع الثقافي والفكري والإعلامي لبيروت، ظلَّ على مَدار أربعة أو خمسة عقود من الزمن، وحتّى نهاية ثمانينيّات القرن الماضي على الأقلّ، يُلقي بضوئه الباهر على الحياة الثقافيّة والفكريّة والإعلاميّة العربيّة. ليس هناك مثقّفٌ عربي مُهمّ لم يخرج من معطف بيروت، ولم يَسطَع نَجمه من خلال صُحفها ومجلّاتها ودُور نشْرها. بدر شاكر السيّاب، عبد الوهّاب البيّاتي، نزار قبّاني، جبرا إبراهيم جبرا، غسّان كنفاني، أدونيس، غادة السمّان، سميرة عزّام، حنّا مينة، سعدي يوسف، وآخرون كثر. كلّهم مرّوا من هناك، وعمَّدتهم هذه المدينة العربيّة الصغيرة التي كانت مُتنفَّساً للهاربين من قمْع أوطانهم وعواصمهم. فهي كانت سويسرا الشرق، وباريس الثقافة والفنّ العربيَّين. على صفحات مجلّاتها نوقشت الأفكار الماركسيّة والاشتراكيّة واللّيبراليّة والقوميّة والوجوديّة، كما مفاهيم الوطنيّة الانعزاليّة الضيّقة. وفي جامعاتها تصارعت تلك الأفكار، ثمّ ارتحلت إلى العواصم العربيّة الأخرى. في ندواتها ومَهرجاناتها الشعريّة والأدبيّة، وعلى صفحات مجلّاتها، تطوَّرت الأشكال الشعريّة الجديّة، وتَبلْوَرت الأفكار النقديّة التي غيَّرت المَفاهيم المُتوارَثة للأنواع الأدبيّة العربيّة.
على أرضها صعدَ نجْم المُقاوَمة الفلسطينيّة، ثمّ مُنيت بأكبر هزيمة بعدما اجتاحت الدبّابات الإسرائيليّة المدينةَ وارتكب الجنودُ الإسرائيليّون مع بعضٍ من أعوانهم المحليّين مَجزرةً مروّعة بحقّ اللّاجئين الفلسطينيّين العزَّل في مُخيّمَي صبرا وشاتيلا.
هي إذن، وعلى مَدار تاريخها، تتوهَّجُ بالنور، فيما تأكلها النار في الوقت نفسه. ولعلّ هذا الوضع المُتناقض، المأزوم، والمُلتبِس، هو الذي أوصلها إلى ما وصلت إليه الآن. فهي مدينة مُحترِقة كاد انفجار المرفأ يأتي عليها كلّها، في دلالةٍ رمزيّة على عُمق المأزق الذي يعيشه اللّبنانيّون المُهدَّدون بالاحتراق في لهيب الصراعات المدمِّرة التي تعصف بالمنطقة. فهل ثمَّة صراعٌ على هويّة بيروت، ومن ثمَّ، على هويّة لبنان؟
بلى، هناك صراعٌ عنيف يستهدف هذه المدينة الصغيرة الحجْم، الكبيرة الأَثر في حياتنا نحن العرب. فهي على الرّغم من أنّ ضَوءها خبا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع انحسار القوى اليساريّة والقوميّة واللّيبراليّة الإنسانيّة، وحلول المَذهب والطائفة محلَّ الهويّات الجامِعة المُنفتِحة في المُجتمع اللّبناني، لأسبابٍ عديدة يطول شرحها، إلّا أنّها ما زالت تمثِّل وَعداً بالحريّة، ومُقاوَمةً للتطويع، والتحجيم، والقَوْلَبة، في إطار الطائفة أو المَذهب. إنّ إرثَها المُمتدّ، على مَدار حوالي قرنَين من الزمان، يجعلها عصيّة على أن تكون لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وإسباغ هويّة ضيّقة عليها. فهي ما زالت مدينة تتعايش مع تقاليد الحريّة التي طوَّرتها، على الرّغم من كلّ ما يمكن قوله عن هذه الحريّة المزعومة التي يقتتل على مسرحها الفرقاء جميعاً.
حلقة وصل بين الثقافات والحضارات
وهي ما زالت جسراً بين الشرق والغرب، ولربّما يُفسِّر هذا رحلتَي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرتَين بعد انفجار المرفأ. وبغضّ النظر عن الغايات السياسيّة الفرنسيّة، وربّما الأوروبيّة، وفي مَعزل عن رمزيّة بيروت ولبنان بالنسبة إلى الفرنسيّين الذين حَكموها بعد الحرب العالَميّة الأولى، فإنّ العالَم يُدرك أنّ هذه المدينة هي بؤرة أساسيّة للتغيير في المنطقة، ومن الصعب أن تكون عاصمة مُغلَقة لواحدة من جمهوريّات الخوف التي حَكمت العالَم العربي قبل اندلاع أحداث الربيع العربي.
ولربّما يُفسِّر هذا التصوُّر ثورة الجماهير اللّبنانيّة في 17 أكتوبر الماضي ضدّ الطائفيّة، والمذهبيّة، والفساد، واهتراء النّخب السياسيّة وتعفُّنها، بحيث أَوصلت اللّبنانيّين إلى ما وصلوا إليه من فقر وعوز، والدولة اللّبنانيّة إلى الإفلاس والاهتراء والفشل على جميع الصعد الاقتصاديّة والسياسيّة والإداريّة والأمنيّة. حدثَ هذا لأنّ الشعب اللّبناني، على الرّغم من الطائفيّة والفساد وفشل الدولة وانحطاط النّخبة السياسيّة، تربّى على قيَم الحريّة والتحرُّر والتنوُّع والاختلاف، ومن الصعب تركيعه وتكميم فمه وتعويده على العيش في ظلّ الاستبداد والقمع وتكبيل الحريّات.
بيروت أيقونة حريّة. بيروت جسر. حلقةُ وصْل بين حضارات وثقافات. إنّها نجمتنا الأخيرة، كما كَتَبَ الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في هذا الظلام العربي المُدلهِمّ، والعتمة الحالكة التي تلُفُّنا. وهي على الرّغم من الجراح التي أَثخنتها والحروق التي أصابتها والأحزان التي تعصف بها، ستنهض، مثل طائر الفينيق، من رمادها، في مقبل الأيّام.

*ناقد وباحث من الأردن
** ينشر بترتيب مع مؤسسة الفكر العربي