سراجنا المنير وظلماتهم!

عبدالرزاق الربيعي
كلّما تُشنّ هجمة مسيئة تنال من رسولنا الكريم، بالكلام، أو بالرسوم، أو بالأفعال أستحضر حسّان بن ثابت شاعر الرسول الكريم الذي نصر الإسلام بلسانه، في بداية الدعوة الإسلاميّة، وكان قد بلغ الستين من العمر، فانتقل من مديح الغساسنة الذي اشتهر به قبل الإسلام وكان بارعًا في مديحهم كما كان يفعل النابغة الذبياني، وعلقة الفحل، فهو القائل في الغساسنة: بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل إلى الدفاع عن حياض الإسلام، فأكرمه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بالدعاء له” اللهم أيّده بروح القدس”، و قوله له “أهج قريشًا فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل”، ويروى أيضا “هاجهم وجبريل معك” ولم يتردّد، بل قال “لأفرينّهم بلساني فري الأديم” جرى ذلك حين أرسل بطلبه، فقال ” قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحرّكه”، وهجاهم “فشفى واشتفى”، فكان لسانه صارما، كما يصفُ في قصيدته الشهيرة: لنا في كل يوم من معدّ سباب أو قتال ، أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء هجوتَ محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء وبسبب هذه المكانة الرفيعة التي احتلها حسّان بن ثابت “وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد”، كما يقول ابن سلام الجمحي، فنسبت له الكثير من الأشعار وزادت عن نصف شعره كما يشير الدارسون، لأسباب سياسية ودينية في غاية التعقيد، والروايات ومنها: “لما نظرت إلى أنواره سطعت وضعت من خيفتي كفّي على بصري خوفا على بصري من حسن صورته إذ لست أنظره إلا على قدري لا نور من نوره في نوره غرقت والوجه مثل طلوع الشمس والقمر روح من النور في جسم من القمر كحلة نسجت في الأنجم الزهر” يقول أحمد ربيع الشيخ “رجعت إلى معجم البابطين لشعراء العربية فوجدت القصيدة باسم الشاعر الصوفي محمد بن عبدالله سعاد، من شعراء القرن التاسع عشر، المولود عام 1861 في السنغال وتنقل بينها وبين مالي وغينيا” ويستدلّ على نسبتها للشاعر الصوفي محمد بن عبدالله ببيت يؤكّد ذلك هو: بشّر سميَك يا سندي ويا ثقتي بالفوز يوم ورود الخلق في الحشر وما إلى ذلك، وتبقى قصائد الصحابي حسّان بن ثابت سراجا منيرا، وتظلّ قوافيه خالدة تدوّي في أذن الدهر، وتنتقل جيلا عن جيل إلى أبد الآبدين،لتخرس الألسن التي تتطاول على مقامه الكريم في النفوس: نبيّ أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا يلوح كما لاح الصقيل المهند وها هو السراج يضيء ظلماتهم الأرواح بسطوعه، ويلوح لمن يسيء، وهو أمر ليس بالجديد، فقد انطلقت الإساءات مع الدعوة، فتصدّى لها الشعراء بألسنتهم، مثلما تصدّوا لها بسيوفهم الباشطة، وما نراه اليوم من تجاوزات هي امتداد لخطاب الكراهيّة، فنستحضر حسّان بن ثابت، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن زهير، وكلّ الشعراء الذين جابهوا الكراهيّة بالمحبّة، والجمال، إلى اليوم، لتكمل المسيرة الأجيال الجديدة من الشعراء كجمال الملّا، وأحمد بخيت، ووسام عبدالحق العاني الذي يقول في نصّ بالمديح النبوي حمل عنوان” باب السلام”: يمشي فيلثمه التراب ولم يزل فوق التراب عبيره يتفصد وامتدّ في الصحراء حقل مآذن خضر بها طير الدعاء تغرّد يدعو فتهطل من يديه محبة خدّ الحياة بضوعها يتورّد فتراك في سعة الضياء نبيّها وتتيه مثلي في البياض وتُفقد