الانتخابات الأمريكية في مواجهة مخاطر اشتعال العنف الأهلي

د.صلاح أبونار –

لم يعد يفصلنا سوى أسبوع عن الانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر. وفي العادة كان يمكننا معرفة الفائز مساء اليوم نفسه، ولكن في عامنا الراهن أصبح الموعد مفتوحا. وفي مواجهة تصاعد السباق الانتخابي لم تعد بؤرة النقاش مركزة حول هوية الفائز، بل اتسعت لتشمل احتمالات اشتعال اضطرابات وعنف أهلي من يوم الانتخابات مرورًا بمرحلة إحصاء البطاقات البريدية وحتى ما بعد إعلان النتائج.
وفي خضم النقاش لم يعد السؤال هل سيشتعل الاضطراب والعنف الأهلي؟ بل ما هو المدى الذي سوف يصل إليه الاشتعال؟ وما هو حجم الضرر الذي قد يُلحقه بالعملية الانتخابية وشرعيتها؟ يبدو المناخ السياسي محملًا بمؤشرات مباشرة تخبرنا عن مدى الاضطرابات القادمة في مسار الانتخابات. سنجدها داخل الخطاب السياسي.
في 23 سبتمبر ردا على سؤال صحفي إذا ما كان سيلتزم بإجراء انتقال سلمي للسلطة إذا خسر الانتخابات، رفض ترامب إعلان التزامه قائلا: «دعنا نرى ما سوف يحدث وقتها». واستطرد مهاجما نظام التصويت البريدي، معلنا عن توقعه أنه سيجعل الانتخابات «أكثر الانتخابات تزييفًا وافتقادًا للدقة في التاريخ الأمريكي». وجاء رد بايدن صارما. ليست تلك التصريحات سوى تعبير «عن الجنوح الترامبي التقليدي»، وفي حقيقتها لا تعبر عن مخاوف من التصويت البريدي بل عن نزعة انقلابية تبحث عن حجة لإيقاف مسيرة الانتخابات، وقد تكون جزءا من مخطط لإيجاد اضطرابات في المسار الانتخابي من أجل إفساده. وجاءت تصريحات بيرني ساندرز مكملة لردود بايدن: «الانتخابات القادمة ليست اختيارا بين بايدن وترامب، بل اختيارا بين ترامب والديمقراطية، والديمقراطية يجب أن تربح». ولكن مؤشرات الاضطرابات القادمة أبعد من الخطاب السياسي. بالتزامن مع مناظرة ترامب وبايدن الأولى اطلق الجمهوريون مسيراتهم، وفيها ظهر أفراد يرتدون بذات عسكرية شاهرين السلاح. وصرح مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن مبيعات الأسلحة النارية بلغت في يونيو فقط 3,9 مليون دولار، وفي 8 أكتوبر أعلن في ميتشجان عن اعتقال 13 شخصا، كانوا يخططون لاختطاف حاكم الولاية.
وطالب ترامب أنصاره بتكوين جماعات لمراقبة المتدفقين على مراكز التصويت وليس مجرد مراقبة التصويت داخلها كما هو معهود. ولكن إذا أردنا تقدير مدى وقوة الاضطرابات والعنف الأهلي المرجح انطلاقه في سياقات الانتخابات، علينا تركيز الاهتمام على ما ندعوه بالتيارات البنيوية المولدة والداعمة لاحتمالات الاضطرابات والعنف، يمكننا أن نميز داخلها بين نمطين: أولا: يرصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وثانيا: يرصد تحولات الرأي العام والرؤى السياسية. ما هي أهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية؟
هناك من جهة أولى التحولات الديموغرافية بنتائجها السياسية، في عام 2000 كانت نسبة البيض من السكان 80%، والسود 11,5%، والهيسبانيك 6,5% والآسيويين 1,8%، وعندما نصل لعام 2019 ستنخفض نسبة البيض إلى 60,1%، وترتفع نسبة بقية الفئات ليصبح السود 12,5% والهيسبانيك 18,5% والآسيويون 5,9%، ورافق ذلك تحول مماثل في نسب المؤهلين قانونيا لممارسة حق التصويت. في عام 2000 كان توزيع هؤلاء المؤهلين 76% للبيض و12% للسود و7% للهيسبانيك و2% للآسيويين، وفي عام 2018 سيصبح 67% للبيض و13% للسود و13% للهيسبانيك و4% للآسيويون. ومن المقدر تصاعد التحولات لتنخفض نسبة البيض من السكان عام 2060 إلى 44%. ومن شأن تلك التحولات أن تؤجج الصراع السياسي الدائر وتكسبه أبعادا تاريخية، لأنه من الثابت إحصائيًا أن نسب تصويت غير البيض للديمقراطيين أعلى كثيرا من تصويتهم للجمهوريين. وهناك من جهة ثانية الـتأثير الاقتصادي لوباء الكورونا وتداعياته السياسية. كان تأثير الوباء شديد التباين تبعًا لتقدمه وتراجعه، ولاختلاف القطاع الاقتصادي والموقع الطبقي، وبالتالي سنكتفي برصد سريع لتأثيره السلبي العام حتى 20 أكتوبر وصل عدد الإصابات المؤكدة 8,461,037 والوفيات 225,285 وفاة. وبالتوازي مع ذلك تراجع عدد المشروعات الصغيرة بنسبة 20%، وارتفع معدل البطالة من 3,7% عام 2019 % إلى 10,4%، وفقدت 20,5 مليون وظيفة في مجال الأعمال غير الزراعية حتى أبريل 2020، وانخفض الناتج القومى الإجمالي في الربع الثاني بنسبة 9.1%، وارتفعت نسبة غياب الأمن الغذائي العائلي من 14% عام 2018 إلى 32% في يوليو 2020، وعجزت 20% من الأسر في 26 ولاية عن دفع إيجار منازلها. والخلاصة شهد المجتمع خسائر بشرية واقتصادية ضخمة تركز أغلبها في الشرائح والأثنيات الدنيا، مع انكشاف لحدود نظم الرعاية الصحية وتخبط السلطة السياسية في مواجهة الوباء، الأمر الذي ساهم في تأجيج صراع سياسي كان مشتعلا منذ دخول ترامب البيت الأبيض.
وهناك من جهة ثالثة وأخيرة الانفجار الحركي للصراع الإثني بعد مصرع فلويد. وفقًا للتقديرات وصلت وقائع الاحتجاج المدني الجماهيري إلى 14,474 واقعة في 51 ولاية منها 14,061 مظاهرة فيما بين 24 مايو و10 أكتوبر، ويقدر أن عدد المشاركين فيها يتراوح بين 15 و26 مليونا.
وبطبيعتها امتلكت طابعًا رديكاليًا مناقضًا لرؤية التحالف المحافظ الحاكم، وجاء رد فعل ترامب العدائي ومحاولته إقحام الجيش في التعامل مع الاحتجاجات، ليساهم في تعميق المسافة بين تلك الحركات والبيت الأبيض، لتصبح قوة لا يستهان بها مهيئة للمشاركة إذا قادت العملية الانتخابية لتفجير احتجاجات مدنية.
ماذا بشأن ما دعوناه تحولات الرأي العام والرؤى السياسية؟ سنلاحظ:
أولا: إن أمريكا أضحت بلدا منقسما بعمق. يمنحنا بايدن شهادة مهمة: «إن ثقة كل منا في الآخر آخذة في التراجع، والكثيرون أصبحوا لا يرون حياتنا العامة المشتركة بوصفها مجالًا للتوسط لحل خلافاتنا، بل لخوض حرب لا تلين ولا تتراجع. وبدلا من أن يعامل كل منا الآخر بوصفه معارضة، أصبح يتعامل معه كعدو. نعيش اليوم في وطن مجزأ منقسم». ويؤيد استطلاع للرأي العام رؤية بايدن، في 2014 رأى 31% من الديمقراطيين و37% من الجمهوريين الآخر بوصفه تهديدًا لرفاهية وخير الأمة، وفى عام 2016 ارتفعت نسبة الجمهوريين إلى 45% والديمقراطيين إلى 41%، وبالتأكيد واصلت الارتفاع. وسنلاحظ: ثانيا: شيوع الاعتقاد في القيم غير الديمقراطية، وفقًا لمسح أجرته مؤسسة «بيو» يعتقد 25% من الأمريكيين في نظرية المؤامرة فيما يتعلق بوباء الكورونا.
وتبدو أسهم القيم غير الديمقراطية داخل الجمهوريين عالية. في قياس حديث للرأي العام الجمهوري، أكد أكثر من نصف العينة صحة عبارة: «قيم الحياة التقليدية الأمريكية آخذة في الاختفاء السريع، ويجب علينا استخدام القوة للإبقاء عليها»، وأكد أقل قليلا من النصف صحة عبارة: «القادة الأقوياء يتعين عليهم أحيانا الخروج عن بعض القواعد القانونية لجعل الأمور تسير بشكل أفضل».
وفي قياس ثالث عبر أكثر من نصف الجمهوريين عن إيمانهم ببعض ما تقوله منظمة «كيو آنون» عن المؤامرات، و33% أن أغلب ما تقوله صحيح. وسنلاحظ: ثالثا: تزايد الإيمان باستخدام العنف إذا خسر مرشح أي من الحزبين الانتخابات. في قياس عام أوائل أكتوبر قال 47%: أنهم لا يتوقعون انتخابات أمينة، وتوقع 56% زيادة في العنف نتيجة للانتخابات. وفي يونيو 2020 قال 16% من الديمقراطيين: إنه سيكون هناك «الكثير أو الكثير جدا من تبرير العنف» إذا خسر مرشحهم الانتخابات وفي سبتمبر ارتفعت النسبة إلى 19%، وفي المقابل ارتفعت نسبة الرأي نفسه لدى الجمهوريين من 15% إلى 20%. في ظل تلك المتغيرات: ما مدى وشكل الاضطرابات والعنف المتوقعين في السياق الانتخابي؟ سنحاول هنا طرح نوع من التصور التحليلي المركب. نتصور -أولا: إن ما سيحدث أساسا وليس حصرًا هو موجة اضطرابات مدنية وليس عنفا مدنيا. اتسمت احتجاجات مصرع فلويد الواسعة بالطابع المدني السلمي. على مد ى أربعة أشهر ونصف الشهر شهدت مدن 51 ولاية 14,474 احتجاجا مدنيا، مقابل 62 واقعة عنف أهلي محدود أسفرت عن 19 قتيلا فقط، الأمر الذي يدل على نضج المحتجين والتنظيم المدني لتحركاتهم.
وتبدو إمكانيات التنظيمات العنصرية البيضاء على القتل والتدمير محدودة. في 2007 – 2011 كان المتوسط السنوي لاعتداءاتها 5 أو اقل، وفيما بين 2012 و2016 قفز المتوسط إلى 14، وانتهت أعمالها بعدد قليل من القتلى أقصاه 9 في حادث كنيسة شارلستون. ونتصور -ثانيا: إن العامل الرئيسي المحدد لحجم الاضطرابات المدنية ومداها الزمني، ليس شخص الفائز بل نمط الفوز والمدة الزمنية إلى سيستغرقها إعلان هذا الفوز. كلما كان الفوز حاسمًا وليس كاسحًا ضاق نطاق الاضطرابات الحتمية بفعل قوة نمطي العوامل اللذين حللناهما، لأن الفوز سيحمل معه براهينه المقللة من إمكانيات التحريض المدني. وكلما قل نطاق فترة فحص عدد البطاقات الضروري لحسم الفوز قلّ المدى الزمني الممكن استغلاله لتصعيد الموقف ومعه حجم الموارد الصالحة لتفجير ونشر الاضطرابات.
ونتصور -ثالثا: إن الفوز الهامشي لأي منهما سوف يولد تداعياته السلبية العالية الخالقة لإمكانيات الاضطرابات. ولكن تلك التداعيات لا تنبع من تلك الهامشية وحدها بل عبر تفاعلها مع عدة عوامل. منها مدى كفاءة عملية فرز البطاقات البريدية، فكلما كانت سريعة الإيقاع وأخطاؤها قليلة التأثير تراجعت إمكانية توظيفها سياسيًا وتحويلها لمادة صالحه للنزاع. ومنها مدى كفاءة وتوازن التداخل المدني والقضائي، مع المشكلات المصاحبة لعملية فرز ممتدة نسبيًا وتظهر نتائجها تباعا. فكلما كان التداخل المدني مؤسسيًا وواعيًا بمسار العملية ومحايدًا وحاضرًا لحظة ظهور المخاطر كان التداخل القضائي سريعًا ومهتمًا بالجوهري أكثر من الإجرائي، وقلّت إمكانيات توافر مواد انتخابية صالحة للاستغلال المدني السياسي.