“صفحة من كتاب” سقوط أندلس أفريقيا بعد “تحكيم اللورد كاننج”

د.عزة القصابي

“فرق تسد” كثيرا ما نسمع هذه الجملة، تردد على ألسنة الناس، وربما الواقع العربي السياسي، هو أكثر التصاقا بهذه العبارة، وغالبا ما يكون التدخل الخارجي في شؤون البلاد سببا في إثارة الفتن والقلاقل، وينتهي بأفول نجم هذه الدول وتدهور كيانها.
في مشهد تاريخي لا ينساه العمانيون والعالم العربي، تمثل في خروجهم من الأرخبيل الأفريقي، وحدوث ثورة الزنج عام 1964م، ليشكل هذا الحدث علامة فارقة في التواجد العماني في القرن الأفريقي الذي دام قرابة ثلاثمئة عام، وهناك أحداث مهدت لذلك منها؛ ضعف السلطة الحاكمة، والتدخل الغربي الساعي إلى إنهاء الحكم العماني في أفريقيا.
تعد (زنجبار) وجزيرة (بمبا) من أكبر الجزر التي يبلغ عددها اثنا وخمسون جزيرة، وهي تقع في شرق أفريقيا على المحيط الهندي. وكان سابقا يطلق على زنجبار اسم (بر الزنج)، أما سكانها كانوا عبارة عن خليط من الأفارقة والعرب، وبعض الجنسيات الأخرى.
عاشت زنجبار العصر الذهبي في ظل الحكام العمانيين وازدهرت اقتصاديا وثقافيا، حيث أسس العمانيون فيها حضارة معمارية وثقافية، جعلت منها وجهة للهجرة والاستقرار، حتى أطلق البعض عليها (أندلس أفريقيا). ولم تأت هذه التسمية اعتباطا، ولكنها أكدت الدور الذي لعبه العمانيون في بناء حضارة عمانية أفريقية، ولم يكن هدفهم فقط السيطرة على الحكم، ولكنهم اهتموا بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونهضوا بالثقافة والتراث، وساهموا في نشر الإسلام في جزيرة زنجبار وباقي الجزر، وهذا جعل السكان يتخلقون بتعاليم الإسلام. ولكن بسبب ضعف السلطة والخلافات بين السلاطين وتدخل الغرباء آنذاك، كان ذلك إعلانا بنهاية الوجود العماني في أفريقيا.
وفي هذا المقام، لنا وقفة مع كتاب (تحكيم اللورد كاننج والنتائج التي تترتب عليه في تاريخ عمان الحديث) للكاتبة هيفاء بنت أحمد المعمري، والتي رصدت حقبة تاريخية عاشتها جزيرة زنجبار خلال الفترة (1861-1913)، جعلت البعض يطلق عليها “أندلس أفريقيا”.
قامت الباحثة في كتابها هذا بدراسة تاريخ عمان السياسي الحديث، وفي البداية مهدت بالتعريف بسيرة السيد سعيد بن سلطان (1806-1856) نشأته وحياته، حتى توليه الحكم، ودوره القيادي في ممارسة النشاط التجاري والازدهار الاقتصادي، وتعزيز الجانب الدبلوماسي بين السلطة العمانية في شرق أفريقيا وبقية العالم.
ووصفت الباحثة المعمرية في الفصل الأول من كتابها ما آلت إليه الأحداث بعد وفاة السيد سعيد، وبداية الخلاف بين أبنائه حول السلطة، وانتهت بالتسوية عام 1857م بين السيد ثويني وأخيه السيد ماجد.
ورغم ذلك، فإن الخلافات استمرت حتى بعد تقسيم السلطة، وتسبب ذلك في انفصال الجزء الأفريقي عن عمان، خاصة بعد تغلل الأطماع الاستعمارية فيه. وأكدت الباحثة أن الاستعمار الخارجي سعى إلى تمزيق السلطنة العمانية، وممارسة النشاطات الاستعمارية القائمة على التدخل في شؤون المنطقة سياسيا واقتصاديا، ومحاولة القضاء على الإسلام، وتقسيم أملاك عمان بين قوى الاستعمار.
وأشارت الباحثة إلى أن من أسباب ضياع (أندلس زنجبار) من أيدي العمانيين ليس التدخل الاستعماري فحسب، ولكنه بسبب الصراعات الأهلية التي حدثت بعد وفاة السيد سعيد، وخلافة أبنائه على البيت الحاكم، وسعى الاستعمار إلى تأجيج الخلافات وجعلها تصل لمرحلة حاسمة. واتخاذ السيد سعيد من زنجبار عاصمة ثانية لدولته.
كما أن كثرة تدخلات القناصل والوكلاء السياسيين الخارجيين، تلى ذلك توقيع الحكومة العمانية لعدد من الاتفاقيات والمعاهدات غير الموفقة، كان آخرها الموافقة على تحكيم كاننج 1861م، والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وكان ذلك سببا في قطع الصلات بين عمان وزنجبار، وسعت إلى جعل ثويني يقبل قرارات التحكيم الصادرة عن لجنة تقصي الحقائق في النزاع بين مسقط وزنجبار، عقب ذلك قرار التحكيم بتقسيم السلطة العمانية.
ومن الطبيعي أن عدم الاستقرار السياسي، أثر سلبا على الأوضاع الاقتصادية في الدولة العمانية آنذاك. لأسباب عديدة، نسوق بعضا منها؛ تدهور الوضع الاقتصادي بين زنجبار ومسقط بسبب انقسام الأسطول العماني التجاري والحربي إلى سلطتين، وارتفاع وتيرة الصراع بين حكام عمان وزنجبار، وأثر الاضطراب السياسي ودوره في هبوط احتياطي العملة والنقد، وهجرة كبار التجار إلى خارج زنجبار.
وأثر الحكم العماني على الحياتين الاجتماعية والثقافية، وساهم في تغيير الأنماط المعيشية للسكان، والتي كانت تنتهج الدين الإسلامي كأسلوب حياة. ولكن عقب خروج العمانيين، ارتد الكثير السكان الأصليين عن الإسلام، وانتشرت الوثنية والديانات الأخرى التي جاءت مع موجات الاستعمار الغربي، وهذا أحدث زعزعة في القيم الثقافية والدينية في المجتمع العماني الزنجباري.
دونما شك، أن كتاب (تحكيم اللورد كاننج والنتائج التي تترتب عليه في تاريخ عمان الحديث) للباحثة هيفاء بنت أحمد المعمري، رصد مرحلة مهمة في تاريخ التواجد العماني في زنجبار، وأكدت الانقسامات والخلافات أسهمت في إشعال نار فتيل الفتنة الداخلية. إضافة إلى توقيع معاهدات مع المستعمرين ، والموافقة على دخول لجان دولية لتقييم الوضع بمعنى آخر الاحتكام للقوى الخارجية، لذلك فإنه من الطبيعي أن يسعى المحتل والغريب على تنفيذ أجندته الخارجية التي انتهت بمجزرة عام 1964م .
ورغم محاولة المستعمرين في طمس الأثر العماني المسلم في الجزر الأفريقية، إلا أن الآثار والثقافة العمانية لا تزال شاخصة للعيان (القصور والمتاحف والشوارع والحارات)، وهذا أكد أن التواجد العماني لم يكن سياسيا وعسكريا فحسب، ولكنه سعى إلى نشر الثقافة العمانية والإسلامية، والتعمير والنهوض بحضارة عربية إسلامية خلدها التاريخ.