العبور إلى بر الأمان

حمود المحرزي –

أثارت المكاشفة التي قدمتها وزارة المالية بشأن الوضع المالي للسلطنة ردود أفعال واسعة .. حيث رصدت بالأرقام تبعات أزمة كورونا وآثارها الكبيرة على العائدات العامة وما سبقها من انهيار اسعار النفط منذ سنوات في الوقت الذي اتجهت فيه الحكومة الى التوسع في حجم الانفاق العام استجابة لمطالبات اجتماعية في الفترة التي تلت عام 2011 .
وقد أظهرت الأرقام المعلنة حجم التحديات التي تواجهها الدولة بعد ان تراكم  العجز المالي والدين العام ليصلا الى مستويات قياسية تنذر بتفاقم الوضع في ظل تراجع الايرادات يقابله الزيادة في الانفاق العام فيما لا تزال الأسباب التي أدت الى ذلك قائمة وهي الانخفاض الحاد في اسعار النفط وأزمة كورونا.
ومثل هذه الظروف يشهدها كثير من الدول .. وما يهمنا الكيفية التي يمكن الخروج بها من وضع كهذا وتعلم الدروس في مواجهة مثلها مستقبلا .. ففي السلطنة ما زال اعتمادنا الكبير في الدخل على النفط ، وطبعا هي المشكلة الرئيسية، رغم الجهود التي بذلت لتوسيع نطاق الايرادات، ومحاولة النهوض بقطاعات أخرى وتعظيم دورها في الاقتصاد الوطني.
المؤكد أن الوضع المالي الحالي للدولة يحمل أوجه متعددة من المخاطر، وقد يزداد خطرا فيما لو استمر دون تدخل وايجاد حلول ناجعة، ولكن الحكومة تدرك ذلك جيدا، ووضعت خططا لتصحيح المسار وتصويبه لضمان الاستدامة المالية للدولة واستعادة مركزها المالي وقد يتطلب ذلك سنوات من الاصلاحات الاقتصادية التدريجية لا بد ان يأتي كل منها في وقته المناسب.
وبالعودة الى خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق ، حفظه الله ورعاه، بعد توليه مقاليد الحكم نجد انه حدد ما ينبغي القيام به من اجراءات وخطوات لتحقيق الاهداف المستقبلية للسلطنة، وغالبية تلك الاجراءات جاءت في فترة وجيزة، وفي مقدمتها إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، فتم الدمج بين الوزارات لمعالجة الترهل في المؤسسات الحكومية والقضاء على الازدواجية بينها، وتقليص حجم الانفاق عليها وتهيئتها لتتوافق مع متطلبات الرؤية المستقبلية « عمان 2040 « ويأتي ضمن الاجراءات حوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات الرؤية واهدافها، كما شملت مراجعة أعمال الشركات الحكومية، وعلى ضوئه انشئ جهاز الاستثمار العماني ليكون تحت مظلته جميع الشركات الحكومية لتطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، وهذا في حد ذاته يحقق رفع الدعم الحكومي عنها بأن تعتمد على نفسها في تمويل مشاريعها وترفد الاقتصاد الوطني وتساهم في توفير فرص عمل للمواطنين.
واستكمالا لاجراءات الاصلاح وما من شأنه ضمان استدامة النمو الاقتصادي فقد اعتمد جلالة السلطان، حفظه الله ورعاه، خطة التوازن المالي والمتضمنة العديد من المبادرات والاجراءات التي يعول عليها ـ كما أوضح البيان الصادر الخميس الماضي ـ في إرساء قواعد الاستدامة المالية للسلطنة، وخفض الدين ورفع كفاءة الإنفاق وزيادة الدخل من القطاعات غير النفطية، بما يضمن القدرة على مواجهة أية تحديات مالية، ويضعها على مسار النمو والازدهار الاقتصادي.. وحتى لا تطال ذو الدخل المحدود وأسر الضمان الاجتماعي أية تأثيرات جراء تطبيق هذه الخطة فقد وجه جلالة السلطان ببناء نظام متكامل للحماية الاجتماعية.
إن الضرورة تقتضي اليوم التكاتف وبذل الجهود لتفعيل كل ما من شأنه ان يعيد التوازن المالي للدولة، من خلال تحقيق التنويع الاقتصادي، خصوصا وان السلطنة تمتلك بنية اساسية مكتملة بوجود المطارات والموانئ والمناطق الاقتصادية والحرة المهيأة لجذب الاستثمارات ، واعادة النظر في الدعم الذي تقدمه الحكومة بتوجيهه الى الفئات المستحقة، واتخاذ اجراءات أخرى التي أصبح بعضها مطلبا شعبيا كفرض ضريبة الدخل على أصحاب الدخل المرتفع.. ومع هذا كله فان على المواطن أن يكون عونا مع الحكومة للخروج من الوضع الحالي بكل ما يكتنفه من تحديات، والعبور الى بر الأمان وهو الأمر الذي ستنعكس ثماره على الوطن والمواطن على حد سواء.