الفلسفة لدى فؤاد زكريا.. متعة التحليل العقلي

– 1 –
قد يبدو للوهلة الأولى بأن ثمة تعارضا أو تناقضا بين كلمتي “متعة” و”فلسفة” التي ما زالت في نظر كثيرين منا في العالم العربي تقترن بالجفاف والمناقشات المعقدة المستغربة المستغلقة على كثير من الأذهان! وللحقيقة فإن هذا الأمر (أو هذه التهمة إذا شئنا الدقة) ليس(ت) ذنب الفلسفة ولا مناهجها وأفكارها بل ذنب العقول التي لم تتهيأ لإطلاق طاقات الفكر والخيال والتركيب إلى أقصى درجاتها ولعل هذا واحد من الأسباب الجوهرية في أزماتنا التي مازلنا نعانيها حتى الآن!
المهم وحتى لا أزيل اللبس، فإنني أقول وبوضوح تام؛ نعم ثمة متعة عقلية بل متعة عقلية وارفة وجارفة تتحقق للمرء حين يقرأ نصا عربيا فلسفيا يزيل كل أشواك الغموض والتعقد ويعرض أفكاره ومبادئه بوضوح ونصاعة؛ وهناك في ثقافتنا المعاصرة من وُهب ملكة الشرح والتفهيم والعرض السلس والشرح السائغ بكل اقتدار وتمكن.
وحتى لا يكون كلامي على عواهنه؛ فإنني سأضرب مثالا لأسماء كبيرة وعظيمة في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة تركت كتبا تأسيسية ونصوصا مرجعية في الفكر الفلسفي (مذاهبه، وشخصياته، وقضاياه وموضوعاته.. إلخ) ما زالت حتى اللحظة تهب قارئها معرفة وإضاءة وإحاطة عظيمة بالموضوع الذي تعالجه دون أن تقع في فخ الإلغاز أو التعقيد أو الغموض.
لدينا على سبيل المثال، نصوص المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق وخاصة كتابه الأشهر «تمهيد في تاريخ الفلسفة الإسلامية»، ولدينا ثلاثية المرحوم علي سامي النشار في «نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام»، وكتاب المرحوم محمد حمدي زقزوق «تمهيد للفلسفة».. ويمكن أن نضيف إلى الكتب السابقة ما كتبه المرحوم الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود عن «الفكر الفلسفي في الإسلام».
أما في الفلسفة العامة والحديثة بصفة خاصة فلدينا نصوص رائعة كتبها المرحوم يوسف كرم (وثلاثيته الشهيرة
والمرحوم يحيى هويدي في كتابه الشارح الممتع «مقدمة إلى الفلسفة العامة»؛ وقد كان المرحوم هويدي واحدا من أعظم أساتذة الفلسفة ومدرسيها في الجامعة المصرية في عصرها الذهبي، وكتابه هذا يوفر مدخلا ممتازا وسهلا للتعرف على الإطار العام للفلسفة كرؤية ومنهج تفكير، موضوعها والمجال الذي تبحثه، وانقسامها إلى ثلاثة مباحث رئيسية؛ “الوجود” و”المعرفة” والأخلاق (الحق والخير والجمال).. “الكوزمولوجي” (مبحث الوجود)، و”الإبستمولوجي” (مبحث المعرفة)، و”الإكسمولوجي” (مبحث الأخلاق).. إلخ

  • 2 –
    لكني هنا سأتوقف قليلا أمام نصوص المرحوم فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة العظيم والمترجم القدير وصاحب واحد من أدق وأسلس الأساليب المعاصرة في الكتابة الفلسفية عموما، والمتخصصة على السواء. صاحب الكتب المهمة التي لا تنسى وربما يستغرقنا مقال أو أكثر ونحن نحاول أن نلم فقط مجرد إلمام بالملامح العامة لسيرته الأكاديمية والعلمية المشرفة والعريضة أو أن نعرض لما تركه من مؤلفات وترجمات ومقالات ودراسات هي بذاتها شاهد على هذه العقلية الفذة وهذا المفكر الكبير الذي لم يأخذ حظه ولا نصيبه من الانتشار والذيوع، ويكفي أن أضرب مثالا بكتابه الذي صدر في سلسلة عالم المعرفة التي ساهم في تأسيسها بالكويت عام 1978، وهو كتاب «التفكير العلمي» الذي ما زال للأسف الشديد غائبا عن مناهجنا التعليمية ومقرراتنا الدراسية ونحن في أمس الحاجة إلى غرس أفكار هذا الكتاب القيم في نفوس وأذهان الناشئة والشباب كي يتعلموا أولا معنى التفكير بمعناه العلمي والنقدي وقيمته وضرورته، وإدراك الحاجة الوجودية والمعرفية إلى زرعه وتنميته في تربتنا الثقافية العربية.
    في هذا الكتاب (الإصدار الثالث من سلسلة (عالم المعرفة) المنشور بالكويت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب)، يقول فؤاد زكريا في مقدمته:
    “في اعتقادي أن موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي، ففي الوقت الذي أفلح فيه العالم المتقدم – بغض النظر عن أنظمته الاجتماعية- في تكوين تراث علمي راسخ امتد في العصر الحديث طوال أربعة قرون، وأصبح يمثل في حياة هذه المجتمعات اتجاهًا ثابتاً، يستحيل العدول عنه أو الرجوع فيه، في هذا الوقت يخوض المفكرون في عالمنا العربي معركة ضارية في إقرار سبيل أبسط مبادئ التفكير العلمي، ويبدو حتى اليوم، ونحن نمضي قدمًا إلى السنوات الأخيرة من القرن العشرين، أن نتيجة هذه المعركة ما زالت على كفة الميزان. بل قد يخيل إلى المرء في ساعات تشاؤم معينة أن احتمال الانتظار فيها أضعف من احتمال الهزيمة”.
    وهكذا يتنبأ فؤاد زكريا، قبل ما يقرب من أربعة عقود، بما وصلنا اليوم إليه، من ردّة وترد، وها نحن بعد اثنين وأربعين عاما تقريبا من صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب نراوح مكانَنا، فلا قيمة التفكير العلمي وأبجدياته وأسسه قد ترسخت وتمكنت في العقول والأذهان ولا نحن سعينا حق السعي كي ينتشر بين أبنائنا وبناتنا في عموم أرجاء عالمنا العربي (وهذا أمر شرحه يطول وفي حاجة إلى مناسبة أخرى ليس في هذا المقام).

  • 3 –
    من بين كتب المرحوم فؤاد زكريا جليلة القدر والشأن والقيمة كتاب «آفاق الفلسفة» الذي صدر للمرة الأولى عام 1988 عن دار التنوير بيروت، ثم في طبعات متعددة بعد ذلك (وأعتمد هنا على الطبعة الصادرة عن مكتبة مصر بالفجالة)، وهو كتاب كبير الحجم نسبيا إذ يقع في 474 صفحة تقريبا من القطع الأقل من المتوسط، وهو يضم مجموعة من الدراسات والمقالات في موضوعات متعددة يربط بينها أنها كلها حول الفلسفة الحديثة.
    لكن بالنظر والتدقيق في موضوعات الكتاب ودراساته المتصلة المنفصلة سنجد أنها عبارة عن خلاصات مركزة ومقطرة بعناية ودقة لم أقرأ مثلها في حياتي لأبرز وأهم محطات الفكر الفلسفي والاجتماعي في مسيرة التطور الأوروبي منذ بواكير عصر النهضة، وحتى العصر الحديث.
    وقبل أن أستعرض لمحة عن الإطار التبويبي العام للكتاب وفصوله وأبوابه وموضوعاته، أحب أن أنوه أن من بين دراسات هذا الكتاب دراسة بعنوان «الجذور الفلسفية للبنائية»؛ وهي فيما أعلم أهم وأقيم دراسة كتبت بالعربية في تحليل ودراسة البنيوية كتيار فلسفي ومنهج فكري تطبق مبادئه وأبجدياته في كثير من العلوم الإنسانية بما فيها الأدب والنقد واللغة.
    بفضل هذه الدراسة ووضوحها وشمولها أدركت كيف تفهم المذاهب والتيارات الفلسفية الحداثية؛ لا يمكن أبدا نقل الأفكار منزوعة الجذور المعرفية والفلسفية المتشابكة في سياقها الحضاري والتاريخي، لا يمكن فهم البنيوية من دون ردها إلى أسلافها في فلسفة كانط، والفلسفات العقلية المجردة، ولا يمكن معرفة مدى تأثيراتها وانتشارها من دون قراءة نصوصها الأساسية في مجالات عدة منها الأنثروبولوجيا والفولكلور والمأثورات الشعبية وعلم اللغة ومن دون فهم أو استيعاب هذه النصوص جيدا فستكون قراءاتنا أو تعاملنا معها منقوصة غير مكتملة وهذا ما أدى إلى الالتباس والغموض والتعقد الذي صاحب استيرادها في الفكر العربي وخاصة في مجال النقد الأدبي من دون هذا التبصر ولا التحوط.

  • 4 –
    وأحب أن أختم هذا المقال بهذه السطور التي لخص فيها الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي الخصائص والسمات التي تفرد بها فؤاد زكريا المفكر والعالم وأستاذ الفلسفة الكبير في حياته كما في مؤلفاته وأعماله الشامخة؛ يقول:
    “كتب فؤاد زكريا تصدق كتبه‏،‏ وأفعاله تصدق أقواله‏،‏ والمعرفة عند فؤاد زكريا أخلاق‏،‏ ومعنى هذا أن دافعه لطلب المعرفة وتحصيل العلم دافع أخلاقي‏،‏ وأن غايته من طلب المعرفة وتحصيل العلم غاية أخلاقية‏.‏ إنه لا يكتفي بالقشور‏،‏ ولا يقنع بالقليل‏،‏ حتى لو أمن النقد والمحاسبة‏،‏ وتأكد من جهل المحيطين به وعجزهم عن كشف نقاط ضعفه‏؛‏ لأنه لا يحصل العلم لكي يتباهي به أو يتكسب من ورائه‏،‏ وإنما يحصله ليروي ظمأ نفسه‏،‏ ولأنه لا يستطيع أن يرضى بالنقص حين يجد نفسه قادرا على التقدم خطوة نحو الكمال‏.‏
    هكذا تقرأ كتابات فؤاد زكريا فتجد إحاطة بالموضوع‏،‏ وسيطرة على الفكرة‏،‏ وتمكنًا من التعبير لا تتاح إلا لمن وقف نفسه على العلم وضحّى من أجله براحة البدن‏،‏ وطمأنينة النفس‏،‏ ومتع الحياة”.