خفض الدين العام وتحسين التصنيف الائتماني أهم أولويات الاستدامة المالية

“التوازن المالي” .. احتواء تأثيرات كورونا وتراجع النفط

خطة مالية متوسطة المدى تعمل على مسارين متوازيين لتعزيز النمو وزيادة الايرادات غير النفطية

تحليل- أمل رجب

تأتي المباركة السامية لخطة التوازن المالي متوسطة المدى 2020-2024 تأكيدا على الاهتمام السامي بتحقيق التوازن المالي ووضعه في أعلى سلم أولويات الحكومة عبر الحفاظ على استدامة الأوضاع المالية والنمو الاقتصادي والتنمية، وتوجيه الموارد المالية التوجيه الأمثل، ووفق بيان مجلس الوزراء الصادر الأسبوع الماضي تتضمن الخطة عدة مبادرات وبرامج تهدف إلى إرساء قواعد الاستدامة المالية للسلطنة، وخفض الدين العام ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي بتوجيهه نحو الأولويات الوطنية، وزيادة الدخل الحكومي من القطاعات غير النفطية، وتعزيز الاحتياطيات المالية للدولة، وتحسين العائد على استثمار الأصول الحكومية بما يضمن تعزيز قدرتها على مواجهة أية صعوبات وتحديات مالية، وبما يضعها على مسار النمو والازدهار الاقتصادي, كما أكدت التوجيهات السامية على الإسراع في بناء نظام وطني متكامل للحماية الاجتماعية، وذلك بهدف ضمان حماية ذوي الدخل المحدود وأسر الضمان الاجتماعي من أية تأثيرات متوقعة جراء تطبيق ما تضمنته الخطة من تدابير وإجراءات.
وبشكل أساسي تستهدف الخطة الحد من المخاطر والتبعات المتوقعة لزيادة الدين العام وانخفاض العائدات غير النفطية وتقليص تأثيراتها على النمو الاقتصادي من خلال عدة محاور منها ترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءته وتشجيع الاستثمار ودعم الاستثمارات الخاصة مع بناء القدرات والتركيز على أولويات الرؤية المستقبلية 2040. فعلى مدى السنوات الست الماضية، عاشت أسعار النفط العالمية حالة من التذبذب بين الصعود والهبوط، وبدءا من عام 2014 تراجعت الأسعار بشكل كبير مما أثر على أوضاع المالية العامة وبدأ حجم العجز المالي في الاتساع تدريجيا وارتفع معه حجم الدين العام، وبمجرد أن عادت أسعار النفط للتعافي نسبيا منذ عامين جاءت أزمة جائحة كورونا التي دفعت النفط للانخفاض بشدة في وقت ظلت الدين العام في الارتفاع.

العائدات العامة

وبينما كان انخفاض العائدات العامة من قطاع النفط والغاز هو العامل الأكثر تأثيرا على أوضاع المالية خلال السنوات الست الماضية، فقد شهدت هذه الفترة تأثيرات أخرى نظرا لارتفاع مستويات الإنفاق العام خاصة بعد أكبر حركة توظيف في القطاع الحكومي شهدتها السلطنة خلال العقد الماضي وأدت إلى زيادة كبيرة في بند الأجور في الموازنة العامة كما زاد الإنفاق الاستثماري لإتمام مشروعات البنية الأساسية الضخمة التي شهدتها السلطنة في قطاعات متعددة خاصة الطرق.
وفي إطار السعي لخفض العجز المالي والوصول بمستويات الدين العام إلى حدود مقبولة فقد تم خلال فترة الخطة الخمسية التاسعة القيام بعدد من إجراءات الضبط المالي لكن لم تكن هذه الإجراءات للحد من زيادة مستويات الدين العام، ومن بين هذه الإجراءات التي تمت خلال السنوات الماضية رفع الدعم عن الوقود مع تخصيص دعم للفئات المستهدفة عبر البرنامج الوطني لدعم الوقود، كما تم زيادة بعض أنواع من الرسوم والخدمات الحكومية، وتعديل ضريبة الدخل للشركات من 12% إلى 15%, ورفع دعم الطاقة لكبار المستهلكين، وأدت إدارة الوضع المالي إلى عدم المساس بالمستوى المعيشي للمواطن خلال السنوات الماضية كما تم الحفاظ على مستوى مرض من الاحتياطي الأجنبي وتحقيق الاستقرار للريال العماني, وخلال العام الجاري ومع تزايد الضغوط المالية بسبب جائحة كورونا أعلنت وزارة المالية عن خطوات متعددة لترشيد الإنفاق بنسبة 10% مع خفض الدعم للشركات الحكومية، وتزامن مع ذلك حزمة إجراءات أخرى تستهدف زيادة حصيلة العائدات غير النفطية، مع التأكيد على استمرار برنامج تخصيص بعض الأصول الحكومية بهدف رفد الميزانية وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وقد تم بالفعل الانتهاء من تخصيص شركة نقل الكهرباء والاستفادة من العائد في تمويل الموازنة، كما تم خلال العام الجاري إضافة سلع جديدة إلى وعاء الضريبة الانتقائية، والإعلان عن بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة بداية من أبريل من العام المقبل بمعدل 5%, وقد تراجع حجم الإنفاق العام خلال النصف الأول من العام الجاري إلى 5,714 مليار ريال مقارنة مع 6,174 مليار ريال خلال نفس الفترة من العام الماضي، وبذلك يصل حجم الترشيد المالي خلال النصف الأول من 2020 إلى نحو 460 مليون ريال، ويأتي الترشيد المالي بهدف التكيف مع تبعات التراجع الحاد في أسعار النفط منذ تفشي وباء كورونا المستجد الذي نتج عنه انخفاض كبير في العائدات العامة واتساع العجز المالي حيث تتوقع وزارة المالية أن يسجل العجز المالي 5 مليارات ريال بنهاية العام الجاري، وفي حال الاستمرار في تسجيل عجز مالي بمتوسط 5 مليارات ريال سنويا قد ترتفع كلفة الدين العام بشكل سنوي لتبلغ 130% من الناتج المحلي في 2025, مع صعود كلفة خدمة الدين إلى ما يقرب من 3 مليارات ريال بعد خمس سنوات وهو ما يمثل عبئا كبيرا على المالية، وخلال العام الماضي كان الدين العام يمثل نحو 61 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي ويتجه للارتفاع خلال العامين الحالي والمقبل، ونتيجة كل هذه الأوضاع شهدنا الفترة الماضية خفضا متكررا للتصنيف الائتماني من قبل الوكالات العالمية للسلطنة نظرا للمتغيرات في المركز المالي للسلطنة، ومع صدور الخطة متوسطة المدى للاستدامة المالية تطمح الخطة إلى احتواء الدين العام وتحسين التصنيف الائتماني باعتبارهما أولويات للحفاظ على الاستدامة المالية عبر إجراءات لتحفيز الاقتصاد ودعم الاستثمارات العامة والخاصة وزيادة دور القطاع الخاص في مشروعات التنمية من جانب ومن جانب آخر مواصلة دعم الإيرادات غير النفطية لإنهاء الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للعائدات العامة.