نوافذ: القرية .. البعد الأفقي للمعرفة

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

حتى عهد قريب؛ أتاحت لنا القرية الصغيرة، بين أكناف الجبال والأودية مساحة متسعة من الخيال، ومن التجوال، ومن الاجتهاد، ومن المعرفة المكثفة ما بين حدودها الأربعة، كنا نتقصى كل صغيرة وكبيرة تحدث في القرية، بل كنا نبحث في زواياها الأربع كل التفاصيل، ولم تتخلَّ القرية عن الإفصاح عما يدور فيها، وعند المساء نجلس ونتحاور، ويخبر بعضنا بعضا بما حصده في يومه النهاري الكامل بلا توقف، ولذلك فالقرية حاضرة عند الجميع، ولا تكاد بنت شفة تصدر، إلا والجميع يعرف ما حدث، في المساء فقط، كنا نعرف منازلنا المحاطة بجدرانها الأربعة التي تتكسر من خلالها هذه الرؤية البصرية الأفقية التي نعيشها طوال النهار، ولولا الليل وبمحفزه المعنوي العابث على جفون العيون، وظلامه الدامس الذي يضيق من مساحات اتساع هذه الرؤية لكنا ما زلنا نجوب سكك القرية، ونتوغل بين مداخلها الضيقة، ونعقد مع كل شجرة من أشجار بساتينها، ومع كل وهدة من وهادها، ومع كل سواقيها، وبيادرها، وسهولها، ومفازاتها صفقة رابحة من هذه المعرفة الشمولية، وهي اليوم تشكل ذاكرة زمان ومكان، عالية القيمة (ذاك كان حالنا).
صحيح أن العائد «المادي» المتحصل من كل هذا التطواف الشامل اليومي، قليل جدا، ولكنه اليوم تفرغ له الذاكرة مساحة أفقية كبيرة أصفها بـ «الأفقية»؛ لأنها غير عميقة بالصورة التي يحملها معنى الـ «عمق» ولكنه محتوى مهم جدا، وسوف تفتقده ذاكرة الأجيال القادمة، لأنهم لن يكونوا بذلك الصفاء الروحي، وبتلك الهمة المتوقدة، وبتلك الحاجة الراغبة، وبتلك «الحشرية الزائدة» أو «التطفل» ولذلك فأجيال اليوم، وبعد نيف من السنين، لن تكون لهم ذاكرة تراثية، (لا مادية ولا معنوية) وذلك ببساطة متناهية لأن المساحة التي يتحركون فيها لا تتجاوز جدران المنزل الأربعة طوال الـ (24) ساعة؛ وهي التي شكلت لدينا سجنا، لا نستطيع العيش فيه أكثر من فترة الليل؛ ولديهم اتساع الحرية؛ حيث البقاء طويلا مع أجهزة متطورة تطوف بهم أنحاء العالم.
تأتي الحياة الحديثة بمباهجها، وبأدواتها، وبرفاهيتها فتزيد من اغتراب الناس بعضهم عن بعض، فلا يكادون يعرف بعضهم بعضا، فلربما يعرف بعضنا جاره الأول والثاني، أما بخلاف ذلك فلا، والمعرفة هنا ليست فقط معرفة اسم الجار، وعدد أولاده، وبقدر ما هي معرفة شاملة تتقصى جوانب كثيرة من حياته؛ غير الخاصة طبعا، ولقد اتهمت المدينة في البداية بهذه الحالة الاغترابية، ولكن هذه التهمة تشمل اليوم القرية وبكل أريحية، لذلك تقطعت سبل المودة بين الناس، وقلت معرفتهم بآخرين من حولهم، وجاءت الوسائل الحديثة في كل شيء، فعمقت هذا الاغتراب، والمسألة مرشحة للزيادة، ويبدو أن هذه الصورة هي حالة كونية تؤرخ واقعا جديدا للبشر.
صحيح أن الفرد كسب اليوم معرفة دقيقة بما يدور حوله، وامتلك أدوات ما كانت متاحة قبل هذا العمر المعرفي العميق والكبير، ولكن كل هذا محصور في مجال التخصص فقط، ومجال التخصص هذا قلص مساحة المعرفة العامة لدى الجميع، فالساعات الطوال التي يقضيها في توظيف تخصصه تسرق منه أجمل لحظات العمر، ولن يدرك هذه اللحظات إلا بعد فوات الأوان؛ حيث انسحاب العمر تدريجيا إلى النهايات، فأصبح الفرد وحيدا، بعد أن كان في جماعته الكثر، فالتطواف الأفقي للمعرفة لم تعد الحياة الحديثة اليوم توفره لأبنائها، ولذلك فهم محصورون في مساحة مثلث لا يتجاوز (منزل، ومكتب ومحل تجاري) وفي حالة الرفاهية لن تزيد المسافة عن أقرب حديقة أو شاطئ لبحر، فالجميع يكاد يواصل مشاويره حسب الاتجاهات التي تقوده إليها بوصلة تحديد الاتجاهات «خارطة الموقع» بما يسمى بـ «Location Map» ولذا لن يكون مستغربا أن تأتي أجيال قادمة ليس في ذاكرتها سوى خارطة موقع محدد لمكان ما فقط، ليس أكثر.