أول جراحة عمانية حليمة المسكرية: الطبيب لا يتقاعد.. والطب أسلوب حياة ورسالة تبقى للأبد

حاورتها – رحمة الكلبانية

أن تكون الأول في مجالك يعني أن تشق لنفسك وللذين يأتون من بعدك طريقًا في وسط غير مهيئ لذلك، وهو الأمر الذي واجهته حليمة بنت ناصر المسكرية، لتصبح أول جراحة عمانية.
ولدت الدكتورة حليمة المسكرية في جزيرة زنجبار، وسط عائلة مشجعة آمنت بحلمها ودفعتها لتحقق ما تريد. إذ تقول: أن أصبح طبيبة كان هاجسًا لدي منذ الطفولة، ولا أذكر أنني تمنيت أن أصبح أي شيء آخر، إذا لطالما آمنت بأن رسالتي هي أن أساعد الناس وأكون إلى جانبهم، ولا أتخيل نفسي في وظيفة مكتبية أو أن أتعامل مع مستندات وأوراق.
وأضافت: عندما كنت طفلة كنت أقول بأنني سأصبح طبيبة، حتى أنني كنت أشارك في مسرحيات المدرسة بهذا الدور، وكان جدي لا يناديني إلا ب”الدكتورة حليمة”. وذلك الدعم المتواصل من عائلتي كان دائمًا مصدر قوة لي واليد التي أتمسك بها في كل مرة أتعثر فيها.
وتيمنًا بالمقولة التي تقول “أطلب العلم ولو في الصين”، غادرت الدكتورة حليمة زنجبار في بعثة حكومية إلى جمهورية الصين الشعبية لدراسة الطب برفقة عشرة فتيات عمانيات أخريات، كان ذلك بعد أن اندلعت الحرب الأهلية في زنجبار والذي اضطرت على أثرها الكثير من العوائل العمانية إلى الرجوع للسلطنة.
وحول تجربتها في الصين، تقول الدكتورة حليمة: لم يكن من السهل علي أن أفترق عن عائلتي والذهاب إلى أقاصي الأرض في الوقت الذي لم نكن نملك فيه وسائل الاتصال الحديثة المتواجدة الآن، والدخول إلى مجتمع منغلق على ذاته آن ذاك، خاصة كوننا مسلمين حيث إن الصين في تلك الفترة كانت تمنع شعبها من ممارسة أي طقوس دينية علنًا، وبالرغم من معرفتنا من وجود الكثير من المسلمين هناك إلى أنه لم تكن هناك أية ملامح للإسلام أو المسلمين.
وفي شهر رمضان المبارك كانت الدكتورة حليمة والفتيات الأخريات يخبئن صومهن عن العامة، لظنهم بأن الصوم سيأثر على آدائهن الأكاديمي ويمكن أن يفقدهن تركيزهن إلا أنهم استمروا في الصيام طيلة أيام الشهر دون علم أحد، ولكنهم سرعان ما اعتادوا على نمط الحياة هناك.
وقبل أن تذهب للعمل ومواصلة دراستها في كل من ألمانيا والمملكة المتحدة مارست الدكتورة حليمة الطب في تنزاينا بشرق أفريقيا والمملكة المتحدة، إذا تقول: إن عملي في مركز طبي وطني في تنزانيا كان له أثر كبير في مسيرتي المهنية حيث اطلعت هناك على حالات مرضية عديدة ومتنوعة وكنا نشارك في الكثير من العمليات الجراحية على عكس تجاربي في الدول الأوروبية حيث كانوا يحصروننا في الجانب النظري فقط.
وعن أول عملية جراحية شاركت فيها، قالت المسكرية: كانت العملية في رأسي أضخم وأكثر تعقيدًا مما كانت عليه، كنت خائفة في البداية ولكنني لم أكن لوحدي وتدرجت في الأمر حيث كنت في البداية أقدم المساعدة فقط إلى أن استطعت أن أقوم بها، بل وتمكنت فيما بعد بإجراء عمليات جراحية امتدت حتى 8 و9 ساعات متواصلة.
وفي المملكة المتحدة عملت الدكتورة حليمة لمدة عامين فقط وهناك ألتقت بزوجها الذي كان يعمل آن ذاك مع الجيش البريطاني، وتفرغت بعدها لمدة 8 سنوات للعناية بعائلتها الصغيرة.
ولم يكن قرار عودة الدكتورة حليمة للسلطنة مخططا له في عام 1990، إلا أنه جاء بعد حادث مؤلم تعرضت له، عندما فقدت والدتها التي كانت تزورها في المملكة المتحدة بين يديها، مما اضطرها للرجوع لتكون وسط عائلتها وأخوتها لتتمكن من مواصلة حياتها مرة أخرى.
وبدأت الدكتورة حليمة المسكرية رحلتها كأول جراحة عمانية بعد أن اجتازت المقابلة الشخصية بمستشفى خولة الذي قضت به أكثر من 23 عامًا فيما بعد، إلا أنه وقبل أن تباشر العمل آن ذاك قالوا لها بأنه “ليست هناك حاجة لوجود جراحة امرأة” ، وأنهم لا يحتاجونها على وجه الخصوص في مسقط، وإنما عليها الذهاب للعمل في أحد المناطق الداخلية من السلطنة.
تقول: لم يكن الدخول لعالم الجراحة في عمان سهلا كما توقعت، ولم أستطع أن أرضخ للشروط التي وضعت لي كأن أذهب للعمل في المناطق الداخلية كون أن لغتي العربية لم تكن قوية نظرًا للسنوات التي قضيتها بعيدًا عن الوطن ولم أكن مستعدة لأن أكون بعيدة عن عائلتي مرة أخرى.
وبعد أن بدأت فعليًا بالعمل في مستشفى خولة، أدركت المستشفى أهمية وجود جراحة أنثى وسط كادرها الطبي، حيث كانت الكثير من النساء تتوافد إلى المستشفى بعد سماعهن بوجود جراحة عمانية حتى إن البعض كان يأتي من محافظات بعيدة كظفار، حيث تقول الدكتورة: إن المجتمع العماني مجتمع محافظ، ومتمسك بعاداته وتقاليده لذلك كانت النساء تشعر براحة أكبر عندما تأتي إلي، إلا أن ذلك شكل عبئًا علي فيما بعد، حيث لم أتمكن من مجاراة الزيادة في عدد المرضى وقمت بتقديم طلب لجلب المزيد من الجراحات النساء من جمهورية الهند لمساعدتي.
ولم تكتفِ الدكتورة حليمة بعملها كطبيبة جراحة في مستشفى خولة، فقد قامت على مدى سنوات خدمتها في السلطنة بالتطوع في جمعية السرطان العمانية حيث تقوم كل أول ثلاثاء من كل شهر بعمل فحوصات الكشف عن سرطان الثدي للسيدات، كما كانت تشارك في الرحلات الميدانية التي كانت تنظمها الجهات الحكومية لعلاج النساء والعائلات الذين يقطنون الجبال والمناطق البعيدة والوعرة ولا يستطيعون الوصول إلى المراكز الصحية.
وحول مشاركاتها المجتمعية تقول حليمة المسكرية: أحس بأنه من الواجب علي أن أرد ولو جزءا بسيطا من الجميل الذي قدمه لي وطني بأن منحني فرصة أن أسافر وأتعلم وأحقق حلمي، وهو دينٌ لا بد لي أن أرده لمجتمعي الذي آمن بي ومكنني من أن أكون المرأة التي أنا عليها اليوم.
وحتى بعد 23 عامًا قضتها حليمة المسكرية في الخدمة، واصلت عملها كجراحة في إحدى المستشفيات الخاصة بمسقط، والتي لا تزال تذهب إليه منذ ستة أعوام بمعدل يومين في الأسبوع لمدة ساعتين، كما أنها لا زالت عضوة في جمعية السرطان العمانية.
وحول حياتها بعد التقاعد تقول المسكرية: إن الطبيب لا يتقاعد، إن الطب أسلوب حياة ورسالة تبقى للأبد، إنني طبيبة في المشفى وكذلك في البيت فلا أكاد أذهب إلى زيارة أو مناسبة اجتماعية حتى يأتيني أحدهم واضعًا يديه على جسده يشكو ويسألني عن أسباب الأعراض التي تمر به بمختلف أنواعها. كما أن لدي مرضى يثقون بي منذ أن كنت في القطاع الحكومي وواصلت عملي في القطاع الخاص كي تستمر بيننا تلك العلاقة.
وعند سؤالها حول الطريقة التي توازن بها بين حياتها الاجتماعية والمهنية، ضحكت، ثم قالت إن الأمر صعب جدًا، فبالرغم من محاولاتي في موازنة الجانبين إلا أن واجبي كطبيبة كان دائمًا ما ينتصر، ولكن من حسن حظي وجود زوجي بجانبي، فهو رجل متفهم جدًا لطبيعة عملي ومتعاون، ولولا وقوفه الدائم إلى جانبي لا أتخيل أنه من الممكن لي أن أتخطى المصاعب التي واجهتني.
وأضافت: كان الأمر أسهل عندما كنت أعمل في الخارج، حيث عائلتي الصغيرة، ولكن في عمان فالأمر مختلف، هناك الكثير من المناسبات الاجتماعية التي علي حضورها، كما أن علي دائمًا أن أطلب من مسؤولي وزملائي أن يحلوا محلي في الأعياد لأكون بجانب عائلتي، والحمد لله فقد كانوا دائمًا متعاونين معي ومتفهمين لوضعي.
وقالت المسكرية بأن عملها كان قد كلفها الكثير من اللحظات والأوقات الثمينة من حياتها، إذ تحكي: تم استدعائي في أحد الأيام لإجراء عملية صعبة في العظام، أخذت منا ساعات طويلة، ولم ننتهِ منها حتى الصباح، أثناء ذلك توفيت إحدى قريباتي، بل وتم دفنها، ولم أعلم بأي من ذلك إلا بعد انتهائي من الجراحة ورجوعي للبيت، كان الأمر محزنًا جدًا ولكن هذه طبيعة عملي وهذا واجبي ولا يمكنني إلا تقبل ما يجلبه لي سعادة ومتاعب على حد سواء.
وحول التحديات الأخرى التي واجهتها الدكتورة حليمة خلال حياتها المهنية، قالت: بالرغم من عملي إلى جانب طاقم من الأطباء الموهوبين والمخلصين في عملهم، إلا أن بعض زملائي كانوا يلقون اللوم علي في بعض الأخطاء التي تتم خلال العمليات بالرغم من أنه عملي جماعي. وأشعر بأن على ممتهن الطب أن يدرك مفهوم العمل الجماعي، حيث إنه لا مكان لـ”الأنا” في هذا القطاع، لا مكان إلا لهدف واحد وهو مساعدة المريض على الشفاء، إذ يجب على الطبيب أن يشاور زملائه ويأخذ الحل الأفضل لمصلحة المريض لا لمصلحته الخاصة.
وشهدت المسكرية خلال سنوات عملها في الطب الكثير من التطورات التي لحقت في القطاع بالسلطنة، إذ تقول: في أولى السنوات التي قدمت فيها إلى السلطنة لم يكن هناك علاج كيميائي للسرطان، وكان لا بد لنا من إرسال مرضانا للخارج، كما لم تكن هناك أجهزة تصوير مقطعية وأجهزة كشف بالكفاءة التي كنا نحتاجها بالإضافة إلى عدم وجود جراحات عمانيات كما أسلفت، إلا أنه وخلال الأعوام التي عقبت ذلك وبفضل الاهتمام الكبير الذي يوليه مولانا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم بصحة المواطن العماني وحقه في العلاج، بات لدينا اليوم أقسام متطورة جدًا في الكشف عن السرطان وعلاجه، وأحدث الأجهزة الطبية التي نحتاجها للتعامل مع معظم الحالات.
وأعقبت: كما أن المتابع لتطورات قطاع الصحة خلال العقود الأخيرة يمكنه أن يرى جليًا ارتفاع وعي المجتمع حول مهنة الطب للفتيات، ومدى إقبالهن عليها، فاليوم وبكل فخر بات لدينا أكثر من 6 جراحات عمانيات، في الجامعة والمستشفيات العسكرية والعامة بالإضافة إلى التخصصات الأخرى.

**ملاحظة: سبق نشر الحوار في العدد العاشر من مجلة التقاعد الصادرة عن صندوق تقاعد موظفي الخدمة المدنية بالتعاون مع جريدة عمان