معهد ابن خلدون الثقافي في كل أنحاء العالم

محمود الرحبي –

الرئيس الصيني السابق هو جينتاو بمناسبة انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي، دعا إلى ضرورة الاهتمام بالجانب الثقافي، فانبثق قرار بناء مراكز ثقافية في أنحاء العالم تحت اسم الحكيم الصيني كونفوشيوس، وذلك على شاكلة ما حدث في ألمانيا من خلال معهد غوته الذي يوجد منه في بعض البلدان ثلاثة فروع (كالمغرب). ومعهدا غوته وكونفوثيوس مجرد مثالين من أمثلة عديدة في العالم، فعدد معاهد كونفوشيوس يبلغ الآن حوالي511 مركزا والعدد في تزايد.
لقد وعت الصين أخيرا فوائد (الاستثمار البنفسجي)، عن طريق دعم الثقافة، ولا بأس أن تقلد الأوروبيين في ذلك، وإتقان التقليد بمثابة هوية عند الصينيين، ومنذ القدم. ألم يقل عنهم ابن بطوطة الذي عاش بينهم: «أهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات» وبذلك فإنهم تفطنوا إلى فائدة أن يكون لهم معاهد ثقافية تجوب أنحاء العالم، وهناك خطة حاليا لإنشاء أكثر من عشرة آلاف معهد ثقافي صيني في العالم. ولا أظن الصين تفعل ذلك دون أن تدرك ما للشأن الثقافي من مردود عظيم (لا مادي ولازمني) إنما أكثر من ذلك، وأكثر عائدية من أي منتوج صناعي آخر. ولكن لماذا هذه الدعوة لأن يكون لنا معاهد عربية في أنحاء العالم باسم ابن خلدون؟
يحظى ابن خلدون باحترام كبير حتى عند الغربيين، فهناك أمثلة لا حصر لها، مثلا عالم التاريخ والاجتماع الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي تحدث عنه طويلا، وأطلق عليه ألقابا عديدة من أهمها لقب شمس الحضارات. الأمر نفسه سنجده عند أحد أقطاب علم الاجتماع الفرنسيين وهو إيميل دوركايم، الذي كان لفرط إعجابه بصاحب المقدمة، اقترح على تلميذه طه حسين حين كان طالبا في السوربون أن تكون رسالته للدكتوراه حول ابن خلدون، وسوف يشرف عليها، وفعلا قام بتأطيره ولكن قبل وقت من المناقشة مات ابن دوركايم في جبهة القتال، فحزن عليه والده ومات بعده. فناقش طه حسين رسالته على يد أساتذة آخرين.
عربيا، لا مجال للحديث عنه، فهو أشهر من نار على علم. أتذكر على سبيل المثال أن الشاعر أمجد ناصر في التسعينيات ومن خلال صفحته في جريدة القدس العربي، قام بعمل استفتاء حول أهم شخصية عربية على مر العصور، فكان الإجماع على ابن خلدون قديما، وعلى جبرا إبراهيم جبرا حديثا.
ابن خلدون نفسه كان (دمه) مفرق بين الأقطار، فهو مصري وتونسي ومغربي وأندلسي دون أن نغفل أرومته الحضرمية اليمنية. فبذلك يمكن لاسمه أن يحل في أي مكان في العالم وبقدر وافر من الاحترام.
وبالعودة إلى معاهد ابن خلدون الثقافية في مختلف بلدان العالم، فإننا يمكن أن نطرح سؤالا حول الأهمية المرجوة من وجوده منتشرا في بقاع الأرض.
لا مجال لارتجال إجابة سريعة إلا من باب التبسيط، ولكن يمكن الاقتصار فقط على فائدة واحدة، فإلى جانب نشر اللغة العربية وتعليمها وتشغيل العقول العربية في هذه المعاهد، وإنفاق المال في ما يفيد الأمة حضاريا، وإلى جانب ما يمكن أن يضطلع به كل معهد من مشاركات في معارض الدول التي يقوم فيها، مشاركات ثقافية وعلمية وحتى صناعية، يمكن الاقتصار فقط على جانب المخطوطات. سيكون هناك فرع في مدينة لايدن الهولندية مثلا، غير بعيد عن جامعة لايدن التي يوجد بها آلاف المخطوطات العربية.
فكم من المخطوطات العربية التي سيتم الاهتمام بها وطباعتها. والذي يكون في لشبونة بالبرتغال سيفعل الأمر نفسه. وهو الأمر نفسه الذي سيحدث للمخطوطات العربية في الهند وأوروبا وإفريقيا. نتحدث هنا عن أكبر تراث مكتوب في العالم. حيث تحل الصين ثانيا، والفرق بين المخطوطات باللغة العربية والصينية كمساحة بحر الصين. الصين قطعت شوطا كبيرا في الاهتمام بمخطوطاتها. كما فعل قبلهم الأوروبيون بالنسبة للمخطوطات اليونانية التي يعتبرونها إرثا جماعيا لعموم أوروبا. فلا يوجد حتى الآن مخطوط يوناني لم يحقق ويستثمر خير استثمار، وبعضه لمرات كثيرة، كما حدث مثلا لكتاب فن الشعر لأرسطو، الذي ليس فقط أعيد تحقيقه في كل لغة أوروبية، إنما كتبت حوله مجلدات، رغم أن عدد كلماته لا تتجاوز العشرة آلاف كلمة، ولكن ما كتب عنه يفوق ذلك بكثير، مثلا المقدمة الألمانية فقط لكتاب فن الشعر تربو على الخمسمائة صفحة! وهكذا في كل بلد. ناهيك عن مشتقات هذا الكتاب، والأبحاث الكثيرة التي دبجت انطلاقا منه وحوله، بل طال الأمر خيال المبدعين في القصة والرواية، على سبيل المثال رواية اسم الوردة لأمبيرتو إيكو، التي طبع منها أكثر من خمسين مليون نسخة. معهد ابن خلدون في كل أنحاء العالم سيظل حلما جميلا.
لا يتحقق ذلك إلا إذا كان ثمة وعي أن يتحد المال العربي بالعقل، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة أمتنا المتشرذمة. ستظل مثل هذه المشاريع أحلاما ننشد تحقيقها. حيث غدونا نعيش في جنح ظلام عربي طويل، لا نملك حياله سبيلا إلا أن نضيئه بالأحلام.