الإنتاج الأدبي.. بين الكم والكيف!

استطلاع : عزماء بنت محمد الحضرمية –

يعد النتاج الأدبي من أهم المواد الفكرية التي تسهم في إثراء الجانب المعرفي والثقافي للقارئ؛ إذ يمكننا من خلاله التعرف إلى تفاصيل الأحداث التاريخية بالإضافة إلى التوجهات الثقافية والاجتماعية لمجتمع أو شريحة ما، كما نستطيع من خلاله سبر أغوار الأدب ودراسة المفارقات والمقاربات الممنهجة عبره، وإذا ما تناولنا الحديث عن ضعف النتاج الأدبي من عدمه في الفترة الأخيرة فإننا سنجد اختلافا واسعا في حركة تصاعده وعدمها إلا أن الرؤية قد تكون واضحة أكثر إذا ما أخذنا بمستوى النتاج الأدبي كمًّا وكيفًا، «عمان الثقافي» تستطلع آراء عدد من الكتاب والمثقفين والمتخصصين في اللغة حول هذا الموضوع.

النتاج الأدبي جودته ونوعيته

تعلق زوينة بنت خلف الغاوية، كاتبة عمانية حول هذا الموضوع بالقول إن النتاج الأدبي سيأخذ جانبين لزم دراستهما بمنهجية؛ إذ إن النتاج الأدبي الكمي سواء كان محليًّا أم إقليميًّا لا يأخذ مسارًا واحدًا أو نسبة ثابتة لفترة زمنية طويلة؛ بحيث تمكننا من الحكم على قوته أو ضعفه، ومن باب المثال لا الحصر؛ إذا ما تتبعنا دور النشر العُمانية من حيث كم النتاجات الأدبية التي تعمل على إصدارها ونشرها سنجد النتاج متذبذبًا من سنة إلى أخرى؛ حيث شهدنا في آخر ست سنوات تقريبًا أنَّ النصف الأول منها واجه اضمحلالًا ملحوظًا في النتاج الأدبي، بينما الثلاثة أعوام الأخيرة شهدت في نتاجها الأدبي ظهورًا كبيرًا بدور النشر العُمانية ومكتباتها، أو حتى دور النشر الخارجية التي احتضنت إصدارَ نتاجات أدبية للعُمانيين، وتشير أيضا إلى أنَّ الزيادة في النتاج الأدبي مؤخرًا شهدت كُتّابًا من مختلف الأعمار بين الأطفال واليافعين الشباب والمخضرمين عُمرًا، وهو ما دفع بعجلة التساؤلات حول جودة النتاج ونوعيته، فهل هذا الخط من الازدياد سيظل على قوته الكمية في النتاج الأدبي أم سيظل متمسكًا بتذبذبه بين فترة وأخرى؟ وفي ظل هذا الازدياد الملحوظ كيف سيكون مستوى مضمون النتاجات الأدبية؟
وتعبر أيضا عن وجهة نظرها في إطار النتاج الأدبي من حيث الكيف؛ بناءً على ما يردها من كتابات أدبية تتطلب المراجعة والتحرير اللغوي لكُتّاب لهم تجاربهم الأولى في النتاج الأدبي المتكامل، أنها دائمًا ما تشجع التوجه الكتابي المحتضن للمعاني الجوهرية الثخينة لا الشحيحة، وتلك الصفحات التي تدعم غزارة لغوية مؤهلة لأن يخرج الكاتب قبل القارئ منها بمخزون فكري قوي، فالمتأمل مؤخرًا للنتاج الأدبي من حيث الكيف والمضمون والمحتوى؛ يجد أنَّ معظمها ضعيف المعنى والهدف، فقد غلب التهافت والتسارع من المعظم في رغبته بإصدار كتاب دون دراسة إمكانية خروج النتاج الأدبي بلغة ثمينة الجوهر في المعنى، ومما يزيد الأمر حدة هو عُجالة بعض دور النشر في قبول نشر الكتاب؛ لغلبة الفكر التجاري على الثقافي، والنتيجة تأتي في البداية على كاهل الكاتب الذي سيجد أنَّ كتابه قد ظُلِم بعدم الإقبال عليه. فقد باتت النتاجات الأدبية القوية نادرة مؤخرًا، والعتب يقع على من غلبه شغفه في مسمى كاتب لا صاحب كتاب معروف، وعلى دور النشر لمن استهواها الربح المادي والتضليل الإعلامي لنتاجات أدبية تُمنح القوة ظاهريًّا.
ومن جانبه تضيف أبرار بنت خميس العلوية، متخصصة في الأدب الإنجليزي، أننا نشهد في هذه الألفية نوعا جديدا من الأدب الذي من الممكن أن نطلق عليه أدب اللاأدب، وكان هذا الاستنتاج المؤسف الذي تقبلته أبرار على مضض في حين تخرجها من الكلية بتخصص الآداب في قسم اللغة الإنجليزية – إذ كان من البدهي أن تبحث حينها عن فرص للعمل في مجال أعمال الأدب – لكنها تفاجأت بأن الصحف أوشكت على أن تغلق أبوابها؛ بسبب ضعف الطلب على الورق، ولم تصبح حاجة سوق العمل إلى وجود أقسام أدبية في مؤسساته فالبريد الإلكتروني كان له الشاغر الأوسع مقارنة بالرسائل الورقية والمستندات الثقيلة، وتقول أيضا أجبرت على تعلم لغة الأدب الحديث وهو الأدب التسويقي وأن أرفق الأدب الذي درسته طيلة الخمسة أعوام الماضية إلى تخصص لم يسبق لي معرفته، فقط لأجل الحصول على فرصة وظيفية أو النجاة في عالم اختزل معلقات طرفة بن العبد في تغريدات ذات ١٨٠ حرفا تطلق من شاعر وغير شاعر.
وإذا ما وضعنا ضعف النتاج الأدبي على منصة التفسير فإننا سنرى أن الكثير من العلوم الإنسانية مثل الفلسفة على سبيل المثال يجري التخلي عنها الآن مثلما يحدث مع الأدب، وتستبدل بالعلوم المادية المعقدة التي تواكب سيكولوجية الكوكب الحديثة مثل الهندسة وتخصصات الحوسبة والتكنولوجيا، فإذا قلت حاجتنا لشيء؛ ضعف مكانه في المجتمع، وهذا ما يحدث الآن مع الأدب، وما يفسر تغير مكانه في عصرنا.
النتاج الأدبي واللغة

وفي مجال الحديث عن اللغة وارتباطها بالنتاج الأدبي، يؤكد الدكتور زاهر بن بدر الغسيني، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها، ومساعد عميد شؤون الطلبة للتوجيه والأنشطة الطلابية بجامعة السلطان قابوس، إن النتاج الفكري اللغوي يرتبط نوعًا ومضمونًا بالمتغيرات والظروف المحيطة ببيئة قلم الكاتب أيًا كان نوعها، وعليه، وفي خِضَمِّ الثورة المعرفية التي سَطَتْ على إبداع العقول، فأثَّرت في المشهد الثقافي؛ كان حريًّا تأثر الإنتاج اللغوي، إذ يرى أن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية لعبت دورًا أساسًا في ذلك، ولن يرحمنا الانفجار المعرفي إن لم نتدارك فعلًا شحَّ الإنتاج؛ نظير عوامل كانت انعكاسًا لتغير معطيات واقع الكلمة والقلم.
كما أشار إلى قضية مهمة تبدو ظاهرة للعيان من خلال المشهد العربي في معترك قنوات التواصل الاجتماعي، إذ تتراءى لنا حقيقة أن هدفنا الأساس كثقافةٍ مجتمعيةٍ انحصر في كيفية حماية لغتنا العربية باعتبارها لغةَ فكرٍ للإنتاج العربي، بمنأى عن تطويرها بتطور واقع العصر وما يفرضه علينا، وهذا بحد ذاته يُشكِّل خطرًا كبيرًا على واقع الإنتاج اللغوي، باعتبار اللغة هي ركيزة بناء الفكر. وعليه؛ كان لزامًا أن يتأثر بناء الفكر العربي في إنتاجه نظير الواقع الذي تتعايش معه اللغة، ناهيك عن وجود عوامل لعبت دورًا في ذلك، منها: قلة الدعم المالي للأبحاث العلمية باعتبارها محفِّزًا لإنتاج العقول فكريًا، كما أن انخفاض النقد وتقييم المعرفة أسهم سلبًا في الإنتاج اللغوي، إذ لَمْ يعد الكاتب يؤمن بفلسفة النقد التي يراها انتقاصًا من إبداعه، ناهيك عن الرقابات القانونية المفروضة على حرية القلم، التي أدَّت إلى جمود الخطاب الثقافي وتضييقه في زاوية معينة، وهو أمرٌ ربما مُسلمٌ به نتيجة الفهم الخاطئ لمفهوم حرية الكلمة والرأي في حقبة قوة الكلمة؛ خاصة التي تتنافى وقيم المجتمع؛ التي أصبحت تصل للمتلقي بأسهل الطرق وأيسرها. وأضاف أيضا عاملًا يجده مهمًا في انحسار الإنتاج اللغوي، والمتمثل في طرائق التدريس القائمة على الحفظ في مؤسسات التعليم العالي، إذ لم يسهم شحن العقول بالمعارف النظرية في صقل القدرات والإمكانات لإيجاد مخرجات إبداعية في الكتابة، ممَّا يعني اضمحلال الإنتاج الفكري المؤمل من المخرجات التعليمية.
وأوضح أيضا أن واقعية انخفاض الإنتاج اللغوي تُحتِّم علينا إعادة النظر في جوانب عدة، وقد يبدو العلاج سهلًا بالجانب التنظيري، وكثرة الورش والدورات المؤطرة لذلك؛ لكنه يحتاج لكاريزما شخصية القرار في دعم البحث العلمي، وتحرير الفكر من المعوقات التي تُقيده بما لا يتنافى وقيم المجتمع، وزرع المفهوم الصحيح لمعنى حرية الكلمة، وإعادة النظر في منظومات مخرجاتنا التعليمية وتكوينها المعرفي، بحيث تكون محفزة على تخريج عقول قادرة على الإنتاج الفكري اللغوي.
دور النشر

في الآونة الأخيرة أصبح واضحا للجميع أن كمّ الإصدارات السنوية كبير جدا، وأكبر مما يمكن أن تحتويه المكتبات ودور النشر والجمهور، يوضح سلطان بن ثاني البحري أن لهذا الكم أثره على هذه العناصر الثلاثة؛ فالمكتبات التي تسوق للكتاب أصبحت مثقلة بعدد كبير من الإصدارات؛ لذا من الصعب جدا تسليط الأضواء عليها، الأمر الذي حرم بعض الكتب من الظهور، وهو بدوره ما دفع عددا من الكتاب للتسويق لكتبهم، مع أن دور التسويق للكتاب لا يقع على عاتق الكاتب، ولا يجدر بالكاتب أن يخرج للعالم ليبيع كتابه، حيث إن الصورة التي ينبغي أن يظهر بها الكاتب أمام الجمهور مختلفة عن تلك التي يقف فيها الكاتب ليقول هذا كتابي فاقرؤوه. أما بالنسبة لدور النشر فقد نشأت دور نشر تجارية، يقوم عليها أشخاص غير متخصصين؛ لذلك حرم الكاتب من النقد وكذلك الرفض، إذ إن رفض الكتاب وإرجاعه للكاتب من قبل دار النشر مفيد جدا خاصة عندما يكون موجها من قبل مجموعة متخصصة في الدار، إذ هو أساس تطوره، بل هو سلاح الدفاع الأخير قبل أن يدخل بكتابه إلى الجمهور، أما بالنسبة للجمهور فمع زيادة كم الكتب المطبوعة كل سنة أصبح من الصعب أن يستوعب العدد الكبير من الكتب والكتاب الجدد؛ لذلك غرقت الساحة بعدد كبير من الإصدارات، الأمر الذي شجع الكثير من الكتاب للتفكير في إصدار كتب تحمل أسماءهم، وهكذا أصبحت الساحة تزدحم بالكم، أما النوع فهو نسبي بدرجة ما.
كما يقول إن الجزء الأكبر من هذه المسألة يقع على عاتق القراء المتمكنين الذين لم يمارسوا دورهم النقدي بالشكل المطلوب؛ ذلك أن الجمهور هو العنصر الأقوى، وهو الموجه للكاتب والناقد الأول له في ظل شح النقد الأكاديمي، ويضيف أيضا حين يغلب الكم النوع في وقت ما فلا يعني ذلك أنها النهاية، بل هي حالة صحية تعقبها غالبا رغبة في تحسين النوع..
وهذا كله يتحقق بوجود مدارس تتمثل في كتّاب يقودون زمام الأمور بما يخدم الساحة العامة وليس الشخوص والشللية.
وبما أن المسؤولية ملقاة على عاتق كل من دور النشر والكاتب وجمهور القراء؛ كان على الكاتب أن يكون ملما بأدوات الكتابة التي تجعل من عمله ناضجا وأن يكون على دراية لغوية وحصافة فنية بالمجال الأدبي الذي يخوض غماره، كما توجب عليه فتح المجال لنقد وغربلة أعماله؛ حتى لا تغيب الموضوعية في نتاجه مسببة ترهل عمله الأدبي.