بين الفلسفة والفكر والسياسة

عبد الله العليان –

تعتبر شخصية المفكر والفيلسوف والسياسي الراحل /علي عزت بيجوفيتش، رئيس جمهورية البوسنة والهرسك (سابقاً)، من الشخصيات النادرة والمميزة، من حيث اجتماع صفات عديدة فيه، تبرز القدرات الفكرية والفلسفية والأدبية التي يتمتع بها، فقد اجتمعت فيه صفات المفكر والفيلسوف والسياسي في مسيرته الطويلة بمحطاتها الأليمة والصعبة، وهي قلما تجتمع في شخصية معاصرة على ما أذكر، في جانبها الفلسفي والفكري على الوجه الأخص، مع أنه لم يعط حقه من الاهتمام لما يحمله من القدرات العلمية والفكرية، التي تستحق القراءة والبحث والاستقصاء، إلى جانب سيرته السياسية، كأحد المناضلين البارزين في دولة يوغوسلافيا السابقة، ثم متابعته وجهوده الشاقة والمؤلمة لاستقلال البوسنة والهرسك.

من صربيا التي ورثت أهم مناطق هذه الدولة بعد تفككها، ورؤيته الأخرى في المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، خاصة في ما طرحه من رؤى وأفكار وفلسفات عميقة في مؤلفاته ودراساته، ولعل أهم هذه المؤلفات كتابه الشهير (الإسلام بين الشرق والغرب)، مع أنه واجه الكثير من المتاعب والاعتقالات قبل سقوط جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية عام 1991.
وكتب علي عزت أثناء سجنه كتابه الشهير: (هروبي إلى الحرية)، وقبل ذلك كتابه المعروف (البيان الإسلامي)، وفي هذا الكتاب الأخير، واجه العديد من الانتقادات والحملات السياسية بسببه، وقاده إلى الاعتقال والمحاكمة، من النظام اليوغوسلافي عام 1983، وتم الحكم عليه بالسجن 5 سنوات بسبب هذا الكتاب ـ وغيرها من الاعتقالات التي سبقت ذلك ـ حيث تم اعتباره (المنفستو الإسلامي)، لإقامة دولة إسلامية في البوسنة والهرسك، والدعوة إلى تقويض النظام الاشتراكي، مع أنه لم يشر إلى ذلك في هذا الكتاب، ولم يذكر حتى نظام الدولة الاتحادية اليوغوسلافية والدول المنضوية فيه.
لكن بحكم أن الرجل يملك الكثير من الصبر والجلد، بحكم تدينه وثقافته الفكرية والفلسفية العالية، جعله يتحّمل هذه المتاعب والظروف القاسية في ظل الحكم الديكتاتوري، وهذا أكسبه المناعة والتحمل لعقود عدة، لآثار الاعتقالات ونتائجه النفسية والجسدية، لكنه صمد وحقق لنفسه الروح الذاتية من خلال القراءة منذ سنوات عمره الأولى، فيقول بيجوفيتش في مذكراته التي حملت عنوان (سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها): «لقد اعتمدت اعتمادا كبيرا على القراءة بدلا من الدراسة عندما أصبحت في الصفوف الثانوية. فكنت أقرأ كل الأعمال الفلسفية الأوروبية الهامة، وأنا لم أتجاوز الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من عمري. ولم يعجبني هيغل حينها، ولكن غيرت وجهة نظري فيما بعد. وأما الأعمال التي تركت أثراً فيّ وانطباعاً لدي، فكان كتاب ـ الفيلسوف ـ بيرغسون (التطور البناء الإبداعي) و(نقد العقل المجرد) لكانت، وكتاب شبنغلر (انحطاط الغرب) الذي يقع في مجلدين». لكن علي عزت بيجوفيتش، استمر في الجمع بين القراءة الحرة بصورة دائمة غير منقطعة، في المجالات الفكرية والفلسفية والأدبية العميقة، وبين الانتظام في الدراسة خاصة مرحلة الثانوية العامة، فخلال تلك المرحلة، مع الظروف التي تلت الحرب العالمية الأولى، وظروفها الاقتصادية الصعبة لأسرته، يقول: «لم أهجر الدراسة بالكلية فقد أنهيت المدرسة في صيف عام 1943 في منتصف الحرب العالمية الثانية بعد معركتي ستالينغراد والعلمين وقبيل الإنزال الأمريكي في صقلية وخالد كايتاز.. وكان من المفروض بعد إنهائي الامتحانات الثانوية العامة أن ألتحق بالخدمة العسكرية، لكني لم أفعل ذلك. وأصبحت بدلاً من ذلك فاراً من التجنيد، وتمكنت من البقاء مختبئاً طوال عام 1944».
ويسرد عزت بيجوفيتش مراحل حياته الدراسية، بعد الثانوية، وكيف جرت المقادير التي حالت دون تحقيق رغبته في المرة الأولى، في المرحلة الجامعية، إذ كانت رغبته في تخصص معين كان يرغب فيه، ولكن الظروف وقفت عقبة في اختياره، خاصة بعد سجنه لعدة سنوات، فيقول في مذكراته: «كنت أرغب في أن أصبح محامياً حتى عندما كنت طفلاً. لقد كان طموحاً شاباً منذ أيام المدرسة. وعندما أرت الالتحاق بكلية القانون بعد خروجي من السجن عام 1949 بعدما قضيت نحو 36 شهراً هناك أقنعني خالي شكري بعدم القيام بذلك. وكذلك كان أبي يعتقد أنني لن أفلح في سلك القانون لكوني سجيناً سابقاً، لأن الشيوعيين لا ينسون ولا يغفرون، فالتحقت بتخصص الاقتصاد الزراعي حيث تابعت دراستي فيه لمدة ثلاث سنوات، فاجتزت فيهن ثلاثة عشر امتحاناً.. لكني فقدت الاهتمام مع مضي فصول وسنوات الدراسة، ومن ثم قمت بالانتقال إلى تخصص الحقوق». وهذا ما عزز الأمر لديه في تحقيق رغبته في دراسة القانون، لكنه واجه الاعتقال والمحاكمة، خاصة مع صدور كتابه البيان (الإعلان الإسلامي)، وهو عبارة عن مقالات جمعت في هذا الكتاب، ويذكر علي عزت قصة وقوفه أمام قاضي المحكمة اليوغوسلافية، عند اتهامه بأن الكتاب هو تعدي على القيم الاشتراكية، وأنشطة يجرمها القانون الخ: فيرد بيجوفيتش على هذه التهم قائلاً: «إنني لا أحاكم هنا لأنني خالفت قوانين هذه البلاد لأنني لم أفعل.. أنني أقر بأني مسلم وسوف أبقى مسلماً وأعتبر نفسي منافحاً عن قضايا الإسلام في العالم، وسأبقى أعتبر نفسي كذلك حتى مماتي، لأن الإسلام بالنسبة لي هو كلمة أخرى لمعاني كل ما هو خير ونبيل، إنه اسم للوعد والأمل بمستقبل أفضل للشعوب المسلمة في العالم، وبحقهم في العيش بحرية وكرامة، وفي كل ما هو جدير بأن يحيى المرء من أجله». وهذه كانت فكرته وطريقته في الحياة وتمسكه بها.
ففي كتابه (هروبي إلى الحرية من عام 1983ـ 1988)، وهو حصيلة أفكار وآراء وتعليقات ونظرات للمستقبل، التي كتبها أثناء فترة سجنه التي قضاها، وكأنها هروب للحرية من أقفاص الاستبداد، فتحس في هذا الكتاب، عمق الثقافة والفلسفة والفكر العميق عندما يقوم بالتجوال بين الأفكار والفلسفات ومناقشتها بقوة الكلمة، وتتابع ما يستجد من معارف وعلوم فلسفية وفكرية، فيقول في مقدمة هذا الكتاب: «لم أستطع الكلام، ولكني استطعت التفكير، وقررت أن أستثمر هذه الإمكانية حتى النهاية. وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء، وكل ما يخطر على البال. وعلقت بذهني على الكتب المقروءة والأحداث في الخارج، وبدأت بعدها بتدوين بعض الأشياء استراقًا في البداية، ثم تشجعت تمامًا، جلست وقرأت وكتبت. وهكذا تجمع لدي ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا». يرى المفكر علي عزت، أن الخلوة التي قضاها بين جدران السجن، أتاحت له التأملات الكثيرة لذاته وللعالم، ثم ما كان يحدث من تحولات وتغيرات كبيرة في أوروبا الشرقية، وهذا ما جعله ينظر نظرات كثيرة إلى ما ستؤول إليه الأوضاع، وهو في السجن، ويقول في فقرة أخرى من مقدمة هذا الكتاب: «من هنا فإن قيمة هذه الأفكار لا تكمن فيها ذاتها، وإنما هي – قبلًا- في الظروف التي كتبت فيها. ففي داخل السجن كان هناك هدوء جدران السجن وفي الخارج نذر الإعصار الذي سيتحول عام 1988م إلى عاصفة تدمر حائط برلين، وتزيح عن المسرح (هوينكر وشاوشيسكو) وتبعثر حلف وارسو، وتزلزل الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا. وشعرت جسديًا كيف يمضي الزمن؛ وكيف تتغير محطاته أمام ناظري!». وهذه الرؤية العامة لأوضاع ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، والذي فاجأ العالم بلا شك، فالتوقعات كانت أن تكون محدودة لما قام به الرئيس السوفيتي آنذاك جورباتشوف وما أسماه بالإصلاحات في نظام الاتحاد السوفيتي، لكنه فتح الباب للانهيار الكامل للمعسكر برمته، وكأن الأوضاع كانت شبه دافعة لهذا التغيير الكبير في أوروبا الشرقية كلها، ويقول بيجوفيتش عما جرى بعد ذلك لقد: «شهد العالم تحولاً فريداً سيغير حياة الملايين من البشر، ويحرف مجرى التاريخ باتجاه آخر. العالم الذي كان ثنائي القطبية لفترة طويلة أصبح أحادي القطب». ولا شك أن المفكر علي عزت بيجوفيتش عقلية ورؤية عميقة للمتغيرات، وهذا ما كتبه في سفره الكبير والعميق (الإسلام بين الشرق والغرب)، والذي يعد من أهم كتبه، من حيث تطوافه في الأفكار التي طرحها، وناقش الكثير من الفلسفات الفكرية الغربية واتفق مع بعضها واختلف مع بعضها الأخر.. وللحديث بقية.