في الرقص.. وسلطة الجسد!

محمد جميل أحمد –

تتعدد علاقة الإنسان بجسده في وظائف مختلفة، ومعبرة في الوقت ذاته عن عظمة الكرامة الإنسانية في كينونة البشر. فهذه الكينونة الفريدة للجسد البشري في اتصالها بالروح تعكس في تعبيراتها مستويات مختلفة لطبيعة هذا الجسد ووظائفه المتعددة. وهي مستويات يمكن أن يعبر عنها حتى العضو الواحد في حالات مختلفة وأوقات مختلفة، وحتى أمكنة مختلفة.
لقد كان الرقص وما زال ظاهرة بشرية لا يخلو منها مجتمع، ولكنه في الوقت ذاته ظاهرة طالما اتصلت بالوجدان البشري بطريقة معقدة جدًا.
وإذا كان البشر اليوم يختزلون معنى الرقص في ما هو دال على حيثية التعبير في مزاج الفرد المنسجم مع حالة من المنطق الوجداني للغناء، فإن الذاكرة البشرية الأولى اختزنت تعبيرات عن الرقص كانت أشمل من ذلك بكثير في التعبير عن العواطف البشرية بل والغرائز في مستويات مختلفة للإنسان، ذكراً وأنثى، فردًا وجماعة.
بمعنى آخر، إن الرقص في تجلياته الأولى المختلفة للتعبير عن العواطف البشرية ظل مرتبطًا بالغناء بمعناه الواسع أي ليس فقط أغاني الفرح، وإنما الأغاني المختلفة لحالات الفرد والجماعة في مجتمعات الأزمنة القديمة، كأغاني الموت والحرب، أغاني الحصاد والرعويات القديمة للإنسان في مختلف تعبيراته. ذلك أن اختبار المنطق الوجداني من خلال الرقص تنعكس اهتزازاته في الجسد البشري لتحيل إلى لغة أخرى يصبح معها الجسد كله أداةً تعبيرية!
ولعل في التوظيف المتعدد لمفهوم الرقص في المجتمعات القديمة ما يحيل إلى أنه حالة طقوسية أكثر من كونه تعبيرا حرا في تلك الأزمنة.
بيد أن الرقص في الأزمنة الحديثة (حيث تحرر الجسد كما لم يتحرر من قبل في التاريخ) بقي في خانة شبه وحيدة، منذ أن طردت الحداثة طقوس الأزمنة القديمة وما يتصل بها من رقصات تعبيرية عن الموت والحياة، ليكون الرقص اليوم في دائرة المرح والمزاج وربما أكثر من ذلك، أن يكون دالة عميقة على تصالح الإنسان مع ذاته في حالة لا تخطئها العين.
لقد أصبح الرقص في المجتمعات المعاصرة أشبه بالحاجة الروحية في العصور الحديثة، تحديدًا لمجتمعات المتروبول، لأن علاقته بالجسد تستدعيها حالة وجدانية بالضرورة، إلى جانب أن المزاج المرح لمفهوم الرقص المحدد في طاقة الفرح، أصبح اليوم واسعا في تعدده وأنواعه عبر إطار يعكس معنى الترفيه وأسلوب العيش بمتعة.
الإيقاع، مفتاح الجسد، لأن هزِّة الإيقاع وضرباته هي التي تستفز الجسد إلى الاستجابة. بيد أن للجسد إيقاعه الخاص الذي يتماهى مع الأصوات والموسيقى لكن في تفاعله بأسلوب الرقص يعبر عن جسد أكثر حريةً. فتعبير الرقص في حقيقته ضبط للجسد من خلال الإيقاع وتعبير يختزن الكثير من الدلالات الناطقة بالمعنى من خلال الرقص ذاته.
لا يرقص الإنسان إلا حين يطرب، ويكون أكثر تعبيرا عن الرقص إلا حين ينسجم مع نفسه في لحظة شفافة.
وإذا كان الرقص اليوم في ذاكرة مجتمعاتنا يعكس مفهوما مشوشا باستمرار فإن ذلك التشويش هو جزء من تشويش عام لتلك الذاكرة وليس لمفهوم الرقص بالضرورة. لأن تعبيرات الجسد في مجملها، إما دلالة على الغريزة أو دلالة على الفطرة، أو دلالة على الوعي.
إن التعبير عن مفاهيم الحياة المعاصرة المختلفة بالرقص، بعد أن أصبح الرقص مؤسسة متكاملة في العصور الحديثة، هو جزء من رد الاعتبار إلى المعنى القديم والمتعدد للرقص وطقوسه وموضوعاته في الأزمنة القديمة.
ولأن النظرة إلى الدين اختلفت عبر منظور إنسان العصور الحديثة في الغرب ولم تحضر غالبًا إلا رمزيًا أو فولكلوريًا، بدا الرقص كذلك منفصلًا عن أصوله الطقوسية ليتجسد غالبا في نوع واحد من ناحية، وليوسع عبر ذلك النوع تعبيرات فنية وحركية هي بمثابة خطاب، لاسيما في ما سمي بالرقص المعاصر.
لقد شهد الرقص حميمية عالية عندما تغير مفهومه مع الحداثة عن المفاهيم الطقوسية القديمة، وانحصر بذلك كفن يخدم موضوعات الحياة بما فيها المعتقدات، من منظوره كرقص أي كمتعة.
كما كشف الرقص عن قدرات لامتناهية للتعبير الحركي الفني حين تم تحرير الجسد وعقلنة حركاته ودلالاتها.
إن حميمية الإيقاع مع الرقص تتحول في الجسد البشري لمعانٍ ناطقة بعد أن كانت أصواتا مبهمة لذلك فالحاجة متبادلة بين الجسد والإيقاع!