هوامش على دفتر الانتخابات الأمريكية

إميل أمين – كاتب مصري –

نحو أسبوعين على موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهي عند جمهور المراقبين انتخابات مثيرة وغير مسبوقة، بل لا نغالي إن قلنا إنها انتخابات غير قابلة للتوقع، على الرغم من الأرقام التي تظهرها استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة.
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن الخوض في عمق المشهد الانتخابي الأمريكي، ولهذا فإننا نختار عدة مشاهد ربما تكشف لنا بعضا من معالم أو ملامح هذه المعركة في طريق السباق نحو البيت الأبيض.
بداية ربما يتساءل البعض:» هل بات فوز المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن أمرا قدريا، مؤكدا ومحتوما، لا سيما في ظل تقدم استطلاعات الرأي بفارق مثير للخوف عن الرئيس ترامب ؟ الجواب باختصار غير مخل، هو أن الاستطلاعات عادة لا تكون حاسمة مرة والى الأبد، فهناك الكثيرين من الأمريكيين يرفضون المساهمة في الرد على أسئلة الاستطلاعات، الأمر الذي يعني أن نسبة غالبة من تلك النتائج لا تعبر بدقة عن توجهات كل الناخبين، وهناك اكثر من سابقة تاريخية، ففي انتخابات 2000 كانت استطلاعات الرأي تميل إلى المرشح الديمقراطي آل جور، ومع ذلك فاز جورج بوش الابن، وفي انتخابات 2016 كانت الاستطلاعات عينها تصب في صالح هيلاري ومع ذلك فاز ترامب، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أن النتيجة غير واضحة حتى الساعة.
جانب آخر من جوانب المعركة الانتخابية الرئاسية يتعلق بالدعاية والإعلان والمناظرات الرئاسية، والسؤال هل تغيرت الكتل التصويتية حتى الساعة أم لا ؟ الشاهد أن من يتابع تطورات المشهد الانتخابي الأمريكي يدرك كيف أن كل كتلة تصويتية تتمترس من وراء مرشحها، ولا تغيير أو تعديل جذري، والسباق قائم على الولايات المتأرجحة، وهذه هي من يمكنها أن تحسم النتيجة الانتخابية مرة والى نهاية المسيرة.
غير أن أيا من المرشحين لم يقدم إغراء أو مصيدة كبيرة لا تصد ولا ترد للناخبين في تلك الولايات، وفي المقدمة منها فلوريدا التي تحوز على 29 صوتا فيما يسمى المجمع الانتخابي الرئاسي الأمريكي، وقد كانت تلك الولاية حازمة في حسم نتيجة انتخابات عام 2000 لصالح بوش الابن، وبعد حكم المحكمة العليا قبل عقدين من الزمن.
وقت ظهور هذه الكلمات للنور سيكون شهر أكتوبر في طريقه للانقضاء والناس تتساءل أين هي مفاجأة أكتوبر التقليدية التي اعتاد الأمريكيون عليها، والتي من شأنها تغيير الأوضاع وتبديل الطباع؟ الثابت حتى الساعة انه لا توجد مفاجأة، وقد يميل البعض إلى اعتبار أنا إفراج وزارة الخارجية الأمريكية عن إيميلات هيلاري كلينتون، والتي تسببت لها في خسارة انتخابات 2016، هي تلك المفاجأة، إلا أن ذلك لا يمكن اعتباره أمرا صحيحا بمطلقية المشهد، فغالبية الإيميلات كان الجميع يعرفها عبر التسريبات، وهي لا تهم الناخب الأمريكي كثيرا، بل ربما شعوب دول ما عرف بالربيع العربي قبل عقد من الزمن.
أما الناخب الأمريكي فلم يجد فيها ما يؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على مقدرات المسيرة الانتخابية، حتى وإن أظهرت الإيميلات أن قصة تعاون حملة ترامب مع الروس ليست إلا اختلاقا من جانب الديمقراطيين للتغطية والتعمية على الفضائح التي حملتها ايميلات هيلاري.
من بين الهوامش المثيرة للتأمل في هذه الانتخابات مسألة الدعاية والترويج للناخبين، فقد جاء تفشي فيروس كوفيد-19 المستجد ليقطع الطريق على الوسائل التقليدية المعروفة في هذا الإطار وفي المقدمة منها المناظرات التي تجري بين المرشحين لمنصب الرئيس، وقد جرى العرف أن تكون تلك الأمسيات ذات تأثير كبير وفاعل في مسيرة الناخبين، لتستميل من أهل اليمين إلى أهل اليسار والعكس.
على أن مناظرة يتيمة واحدة جرت بين المرشحين للرئاسة، لم ينتج عنها فائز أو مهزوم، بل كانت أمريكا هي الخاسر الأكبر، لا سيما الحلم الديمقراطي الكبير الذي اشتهرت به عبر الأجيال.
على أن الفارق الكبير في هذه الانتخابات موصول بأدوات التواصل الاجتماعي، فهي البطل الحقيقي في هذا السباق، وهي المقدمة الطبيعية لغلبة ثورة الجيل الخامس وأعمال الذكاء الاصطناعي في حياة البشر، فقد استطاع الرئيس ترامب ولا يزال التواصل مع الملايين من الأمريكيين والمليارات حول العالم من خلال تويتر، وبالقدر نفسه كان يمكن لمنافسه جو بايدن أن يفعل الشيء نفسه.
أما الفيسبوك ومعاركه فحدث عنها ولا حرج، فقد اعتبرت وسائل إعلام أمريكية عديدة أن «مارك زوكربيرغ»، هو اكبر « اوليجاركي «، في التاريخ المعاصر، فمن خلال الفيسبوك أضحى قادرا على توجيه ملايين الناخبين، والتحكم في توجهاتهم الانتخابية وبطريقة اقرب ما تكون إلى غسل العقول، والحصول على معلوماتهم وبياناتهم، وكذا تحليل ما يسطرون بطريقة ذكية للوصول إلى رؤية حول توجهات الصوت الانتخابي.
هل سنرى توجهات انتخابية برسم عقائدي ديني إيماني هذه المرة في انتخابات الرئاسة 2020 ؟ منذ زمن بعيد ووقت تأسيس الجمهورية الأمريكية، وأمريكا دولة علمانية الهوية ودينية الهوى، الأمر الذي أشرنا إليه مرارا وتكرارا، ومن الواضح أن معركة هذا العام لن تخلو من مسحات إيمانية، لا سيما وان الرئيس ترامب مدعوم من التيارات اليمينية الأمريكية بقدر كبير، لا سيما المنطقة الجنوبية المعروفة باسم الحزام الإنجيلي.
وعلى الجانب الآخر نرى المرشح الديمقراطي بايدن الذي يجاهر بكاثوليكيته، يسعى بدوره للحصول على اكبر دعم من كاثوليك أمريكا وهم قوة تصويتية لا يستهان بها، عطفا على علاقاته مع الأقليات الإسلامية في الداخل الأمريكي والتي ستصوت له حكما، وربما بشكل انتقائي أو انتقامي من الرئيس ترامب الذي وقف لها بالمرصاد طوال السنوات الأربع الماضية.
إحدى نقاط الاستفهام المثيرة كذلك في 3 نوفمبر المقبل:» هل سيكون للأمريكيين الأفارقة دور فاعل ومهم في ترجيح كفة مرشح على آخر، وبخاصة بعد أحداث العنف العرقي التي شهدتها أمريكا الأشهر القليلة المنصرمة والتي تبعت حادثة مقتل الشاب الأمريكي جورج فلويد؟ المؤكد أن أصوات الأمريكيين الأفارقة قد مكنت باراك اوباما من الوصول إلى البيت الأبيض، وعادة ما كان هذا الفصيل الأمريكي العرقي يصوت لصالح الحزب الديمقراطي.
غير أن ترامب اعلن وقبل بضعة أسابيع عن ما يسمى «الخطة البلاتينية»، لاستمالة الناخبين ذوي البشرة السمراء وتتضمن زيادة رأس المال للشركات المملكة للسود بحوالي 500 مليار دولار، وهو ما من شأنه خلق 3 ملايين وظيفة جديدة لمجتمع السود، وإنشاء 50 ألف شركة جديدة، كما تتضمن «الخطة البلاتينية» مبادرات لتعزيز مجتمعات السود في البلاد وجعلها اكثر ازدهارا من خلال ملكية المنازل، وتسجيل الحصول على القروض وتحسين فرص اختيار المدارس.
هل حسمت نتيجة الانتخابات الأمريكية ؟ وإن غدا لناظره قريب.