سورية اليتيمة

عادل محمود

خلال أربعة أشهر من نشري لهذا النص، سيأتي بعده ما هو أفدح منه. “قد لا تكون الشجاعة المجدية في زمن الجبناء، ولكن الخوف هو أسوأ أنواع الوصول إلى الأمل بالنجاة. السوري، الآن، يتعرف على أسوأ مخترع للاثنين معاً، للشجاعة والخوف.
إنه.. الجوع.
وقبل هذا النص بشهر واحد، كتبت: مهنة السوري العاقل، ألا يجُنّ. حتى الآن لم أغير هذه المهنة، عدّلتها فقط. وفي الأول من سبتمبر كتبت: “سورية بحاجة إلى فريق من الخبراء والشرفاء، لأنها تهدمت جسداً وروحاً.
ومع ذلك يختارون لها مجموعة من الذين يرسبون في امتحان تعريف بسيط لكلمة ومعنى الوطن. إنهم، في تعريفاتهم يخطئون إلا في الجواب التالي: الوطن مزرعة خاصة لإنتاج البيض لمقلاتهم، والبنزين لسياراتهم والمازوت لتدفئتهم والدولارات لرحلاتهم”.
وهكذا، وصلت سورية إلى مرحلة “الخبز الحاف”، مغمساً بدهشة، وهي تردد مع غسان كنفاني: ” الوطن هو ألا يحدث كل هذا الذي يحدث”. هذا الشهر، صارت الغابات السورية، والزيتون السوري، والتفاح والأزهار السورية طعاماً للحريق الكبير الذي شبّ دفعة واحدة في وقت واحد في ثلاث محافظات سورية.
وأول فضيحة مرافقة وموافقة لهكذا حدث هو نقص فادح في الاستعداد لعدد موجود في احتمالات مؤكدة، وهو الحريق.
لقد تبين أن الأسطول السوري بكل معداته من سيارات إطفاء، إلى خطط سريعة للتجاوب والاستجابة، لا يساوي ثمنه جزءاً من مال السوريين المنهوب بكل أشكال النهب، لا يساوي ثمن سيارات المسؤولين وأولادهم ومصاريف عبثهم بالمال الوطني ويزداد العمق المؤسف لهذه الكارثة أخبار وما بعدها، لقد تبرع ـ مثلاً ـ كل أغنياء سورية بمبلغ 200 مليون ليرة سورية هي ثمن 5 سيارات حديثة ذات دفع رباعي تستعمل للتباهي في شوارع المدن السورية، وأمام الطابور الطويل على نوافذ أفران الخبز انتظاراً بالساعات لربطة خبز مؤلفة من 7 أرغفة.
والذي يجعل القلب ينكسر هو هذه الكمية من الذل والمرارة على وجوه مواطني هذه البلاد المنكوبة… ولقد انضم إليهم مئات آلاف المشردين والمنكوبين بحرائق أشجارهم وبيوتهم، دون مساعدة من أحد. الحريق يحتاج إلى إطفاء الشجرة المشتعلة، والبيت المدمر، والغابة المتحولة رماداً… إلا أن الحريق الذي لن تطفئه كل مياه العالم هو الذي شبّ في قلوب الناس وهو يعانون خذلان بلادهم وجوارهم وعالمهم.
فحتى الآن لم يقل أحد في هذا الكون أنه متعاطف، وإنه سيقدم عوناً للمنكوبين. الحريق الأكثر شراسة رؤية الأموال القليلة وهي توزع على من لم يحترق لديه سوى سيجارته. وعلى أعضاء لجان الخسائر الذين يسجلون اسم منكوب مزيف، وينسون ذلك الذي مات وهو يطفئ الحريق بزجاجة ماء.
سورية “شخص يتيم” بكل عمق معنى هذه الكلمة.