بحثًا عن زمني المفقود

أمل السعيدي

لدي علامة حرق على ساعدي، في حادثة جرى عليها أسابيع، كل صباح أتفقد مكانها؛ لأتأكد من وجودها، وها هي بدأت تبهت منذ أيام، ثمة جانبٌ مني أحبها، إذ تؤكدُ لي أنا المشغولة بالانتباه للعالم، مرور الزمن، انقضاؤه على نحو سريع أو بطيء، خصوصًا وأنني لستُ شخصًا “زمانيًا” بالتعبير الذي أحب استخدامه، أندهش في كل مرة من الأمس قد انقضى بهذه السرعة وبأنني بحاجة لأن أعيد ما قمت بفعله مجددًا، وكأن دقيقة واحدة لم تمر، وأنني تسمرتُ في لحظة ذهبية واحدة، لم تنفرط من بين أصابعي بهذه السرعة. ولأنني شخصية مقاومة رغم هشاشتي، تحاول أن تشحذ همة الفولاذ الذي يضطرها العالم لتمثله، قرأتُ كثيرًا عن فلسفة البطء، كتب كثيرة تتناول هذا الموضوع في عالم عجول، ومحتقن، ويتفاخر بسرعته، البطء لكونديرا، في مديح البطء لكارل أونريه. وأكثر ما أحببته هي الروايات التي وإن لم تتغنَ البطء، إلا أنها مكتوبة على مهل، وتصف أحداثًا مترويةً، بطيئةً، ثقيلةً، كما لو أن دبًا ثقيلًا يرفع قدمًا، ويُسقطها بعد حين.
لفترة طويلة من عمري القصير تغنيت بشعر محمود درويش، أقول بصوت عال ودون خجل “سيري ببطء يا حياة لكي أراكِ بكامل النقصان حولي”. حتى بتُ أبطأ شخص يمشي في كل المجموعات التي مشيتُ معها، وعندما يقترحون الذهاب في رحلة “التنزه الجبلية” يستبعدونني بصورة طبيعية، وفي رمضان عندما تخرج النساء ليذرعن الشوارع والساحات المفتوحة، أبقى في مؤخرة القافلة، وكنتُ ولا أخجلُ من هذا على الإطلاق أسمي النجوم، وأتخيل بأن لي نجمة خاصة، في الليالي الصافية والقمرية، بعيدًا عن ضوضاء المدينة. وعندما أتأمل حياتي، أسرُ كثيرًا عندما أظن بأنني قضيت وقتًا طويلًا في مكان ما، أو في مرحلة ما، ويصيبني الكدر، كلما طرأت على بالي، فكرة أن الوقت مرَ سريعًا. والأوقات الحلوة بالنسبة لي، لطالما كانت تلك التي أحسستُ فيها بوقع الملل البشري، الشيء الطبيعي الذي لا أعرف لماذا نحبُ استبداله باصطناع الجري، والتوقد والحماسة المفرطة، والنار المتأججة وغيرها من الاستعارات التي لا نهاية لها.
في بداية هذا العام حزمتُ أمري وقررتُ قراءة “البحث عن الزمن المفقود” لبروست، ونجحتُ بالفعل في قراءة ثلاثة أجزاء بشكل متواصل لأتوقف قبل أن أكمل الأربعة أجزاء المتبقية من واحدة من أكثر الروايات العالمية رسوخًا في عالم الأدب، وأرواح الأدباء، كنتُ متلهفة على رؤية بروستُ يكافحُ هو الآخر وبطريقته من أجل زمانه، لكي لا يخطفه، دون دراية منه، وفي الفصل الأول منه “بجانب منزل سوان” ويكتبُ عن طفولته، عن الوقت المبكر الذي كان يغادر فيها طاولة العشاء لأن عليه أن ينام مبكرًا، كل هذه التفاصيل الصغيرة التي شكلت ملحمة حياة، هذا الطفل الخجول، الذي يشتاق قبلات أمه طيلة الوقت، كتابة متأنية، رحبة، إذ أن البطء الذي تتقدم فيه الحياة تحسُ فيها بأنها كانت موجودة هناك في مكان ما، في اللحظة الحاضرة حصرًا، لحظة كاملة وغير مهدرة.
في بعض الأحيان نتمنى لو كانت الحياة أسرع، ولو أن قيمة ما نقوم به تقتصر على تزجية الوقت، ذلك لأن بعضنا يحسُ باللحظة الواحدة مثل السهم الذي يخترقُ ويُجرح جلده دون كلل أو ملل، لكنني لستُ متأكدة مما إذا كان هذا حبًا أو خوفًا من الحياة، من العيش، الذي هو مكابدة الزمن بكل ما يمنحه لنا من دِعة وقسوة.